الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٢٨ - تجارة لا نظير لها
و لما كانت كل معاملة تتكون في الحقيقة من خمسة أركان أساسية، و هي عبارة عن: المشتري، و البائع، و المتاع، و الثمن، و سند المعاملة أو وثيقتها، فقد أشار اللّه سبحانه إلى كل هذه الأركان، فجعل نفسه مشتريا، و المؤمنين بائعين، و أموالهم و أنفسهم متاعا و بضاعة، و الجنّة ثمنا لهذه المعاملة. غاية ما في الأمر أنّه بيّن طريقة تسليم البضاعة بتعبير لطيف، فقال: يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَ يُقْتَلُونَ و في الواقع فإنّ يد اللّه سبحانه حاضرة في ميدان الجهاد لتقبل هذه البضاعة، سواء كانت روحا أم مالا يبذل في أمر الجهاد.
ثمّ يشير بعد ذلك إلى سند المعاملة الثابت، و الذي يشكل الركن الخامس فيها، فقال: وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَ الْإِنْجِيلِ وَ الْقُرْآنِ.
إذا أمعنا النظر في قوله: فِي سَبِيلِ اللَّهِ يتّضح جليا أنّ اللّه تعالى يشتري الأرواح و الجهود و المساعي التي تبذل و تصرف في سبيله، أي سبيل إحقاق الحق و العدالة، و الحريّة و الخلاص لجميع البشر من قبضة الكفر و الظلم و الفساد.
ثم، و من أجل التأكيد على هذه المعاملة، تضيف الآية: وَ مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ أي أنّ ثمن هذه المعاملة و إن كان مؤجلا، إلّا أنّه مضمون، و لا وجود لأخطار النسيئة، لأنّ اللّه تعالى لقدرته و استغنائه عن الجميع أوفى من الكل بعهده، فلا هو ينسى، و لا يعجز عن الأداء، و لا يفعل ما يخالف الحكمة ليندم عليه و يرجع عنه، و لا يخلف وعده و العياذ باللّه، و على هذا فلا يبقى أي مجال للشك في وفائه بعهده، و أدائه الثمن في رأس الموعد المقرر.
الأروع من كل شيء أنّه تعالى قد بارك للطرف المقابل صفقته، و يتمنى لهم أن تكون صفقة و فيرة الربح، تماما كما هو المتعارف بين التجار، فيقول عزّ و جلّ:
فَاسْتَبْشِرُوا [١] بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ.
[١] فاستبشروا مأخوذة من مادة البشارة، و التي أخذت في الأصل من البشرة، أي وجه الإنسان، و هي إشارة إلى آثار الفرحة و السرور التي تبدو بوضوح على وجه الإنسان.