الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٢٩ - تجارة لا نظير لها
و قد جاء نظير هذا المبحث بعبارات أخرى، ففي الآيتين (١٠) و (١١) من سورة الصف يقول اللّه عزّ و جلّ: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ تُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ. يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَ يُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَ مَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ.
إنّ الإنسان ليقع في حيرة هنا من كل هذا اللطف و الرحمة الإلهية، فإنّ اللّه المالك لكل عالم الوجود، و الحاكم المطلق على جميع عالم الخلقة، و كل ما يملكه أيّ موجود فانما هو من فيضه و منحته، يبدو في مقام المشتري لنفس هذه المواهب التي وهبها لعباده، و يشتري ما أعطاه بمئات الأضعاف.
و الأعجب من ذلك، أنّ الجهاد الذي هو السبب في عزّة الإنسان و افتخار الامّة، و ثمراته تعود في النهاية عليها، قد اعتبر دفعا و تسلميا لهذه البضاعة.
و مع أنّ المتعارف أنّ الثمن يجب أن يعادل المثمن أو البضاعة، إلّا أن هذا التعادل لم يلاحظ في هذه المعاملة، و جعلت السعادة الأبدية في مقابل بضاعة متزلزلة يمكن أن تفنى في أية لحظة، (سواء كان على فراش المرض أو ساحة القتال).
و الأهم من هذا أنّ اللّه سبحانه و تعالى مع أنّه أصدق الصادقين، و لا يحتاج إلى سند و ضمان، فإنّه تعهد بأهم الوثائق و الضمانات أمام عبيده.
و في نهاية هذه المعاملة العظيمة، و الصفقة الكبيرة، فإنّه قد بارك لهم و بشّرهم، فهل تتصور رحمة و محبّة أعلى من هذه؟! و هل يوجد معاملة أكثر ربحا من هذه؟! و لهذا
ورد في حديث عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري أنّه لما نزلت هذه الآية كان النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم في المسجد، فتلا هذه الآية بصوت عال، فكبر الناس، فتقدم رجل من الأنصار و سأل رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم: يا رسول اللّه، أنزلت هذه الآية؟ فقال النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم: