الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٣٢ - المنافقون و قلّة الاستيعاب
فوصلت إليه ثروة عظيمة، و على رواية أخرى أنّه اشترى غنما، فلم تزل تتوالد حتى أصبح حفظها و رعايتها في المدينة أمرا غير ممكن، فاضطر أن يخرج إلى أطراف المدينة، فألهته أمواله عن حضور الجماعة، بل و حتى الجمعة.
و بعد مدّة أرسل النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم عاملا إلى ثعلبة ليأخذ الزكاة منه، غير أن هذا الرجل البخيل الذي عاش لتوّه حياة الرفاه امتنع من أداء حقوق اللّه تعالى، و لم يكتف بذلك، بل اعترض على حكم الزّكاة و قال: إنّ حكم الزكاة كالجزية، أي أنّنا أسلمنا حتى لا نؤدي الجزية، فإذا وجبت علينا الزكاة فأي فرق بيننا و بين غير المسلمين؟
قال هذا في الوقت الذي لم يفهم معنى الجزية و لا معنى الزكاة، أو أنّه فهمه، إلّا أن حبّ الدنيا و تعلقه بها لم يسمح له ببيان الحقيقة و إظهار الحق، فلمّا بلغ النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم ما قاله
قال: «يا ويح ثعلبة! يا ويح ثعلبة»
، فنزلت هذه الآيات.
و قد ذكرت أسباب أخر لنزول هذه الآيات تشابه قصّة ثعلبة مع اختلاف يسير.
و يفهم من أسباب النزول المذكورة و من مضمون الآيات أنّ هذا الشخص- أو الأشخاص المذكورين- لم يكونوا من المنافقين في بداية الأمر، لكنّهم لهذه الأعمال ساروا في ركابهم.
التّفسير
المنافقون و قلّة الاستيعاب:
هذه الآيات في الحقيقة تضع إصبعها على صفة أخرى من صفات المنافقين السيّئة، و هي أنّ هؤلاء إذا مسّهم البؤس و الفقر و المسكنة عزفوا على وتر الإسلام بشكل لا يصدق معه أحد أنّ هؤلاء يمكن أن يكونوا يوما من جملة المنافقين، بل ربّما ذمّوا و لاموا الذين يمتلكون الثروات و القدرات الواسعة على عدم استثمارها في خدمة المحرومين و مساعدة المحتاجين!