الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٣٣ - شروع الطّوفان
يسمحوا لأنفسهم بالتفكير في هذا الأمر و أن إنذارات نوح حقيقية.
في هذه الحالة بلغ الأمر الإلهي نوحا قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَ أَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَ مَنْ آمَنَ.
لكن كم هم الذين آمنوا معه؟ وَ ما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ.
هذه الآية تشير من جهة إلى امرأة نوح و ابنه كنعان- اللذين ستأتي قصتهما في الآيات المقبلة- و قد قطعا علاقتهما بنوح على أثر انحرافهما و تآمرهما مع المجرمين، فلم يكن لهما حق في ركوب السفينة ليكونا من الناجين، لأنّ الشرط الأوّل للركوب كان هو الإيمان.
و تشير الآية من جهة أخرى إلى أنّ ثمرة جهاد نوح عليه السّلام بعد هذه السنين الطوال و السعي الحثيث المتواصل في التبليغ لدعوته، لم يكن سوى هذا النفر المؤمن القليل! بعض الرّوايات تقول أنّه استجاب لنوح خلال هذه الفترة الطويلة ثمانون شخصا فقط، و تشير بعض الرّوايات الأخرى إلى عدد أقل من ذلك، و هذا الأمر يدل على ما كان عليه هذا النّبي العظيم نوح عليه السّلام من الصبر و الاستقامة «في درجة قصوى بحيث كان معدل ما يبذله من جهد لهداية شخص واحد عشر سنوات تقريبا، هذا التعب الذي لا يبذله الناس حتى لأولادهم!.
جمع نوح عليه السّلام ذويه و أصحابه المؤمنين بسرعة، و حين أزف الوعد و اقترب الطوفان و أو شك أن يحل عذاب اللّه أمرهم أن يركبوا في السفينة وَ قالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَ مُرْساها [١].
لماذا؟! لكي يعلمهم أنّه ينبغي أن تكونوا في جميع الحالات في ذكر اللّه تعالى و تستمدوا العون من اسمه و ذكره إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ.
فبمقتضى رحمته جعل هذه السفينة تحت تصرفكم و اختياركم لتنجيكم من
[١] المجرى و المرسى: اسما زمان، و يعني الأوّل وقت التحرك، و الثّاني وقت التوقف.