الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٢٦ - بداية النّهاية
انتخاب أحسن الكيفيات.
و في نهاية الآية ينذر اللّه نوحا أن لا يشفع في قومه الظالمين، لأنّهم محكوم عليهم بالعذاب و إن الغرق قد كتب عليهم حتما وَ لا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ.
هذه الجملة تبين بوضوح أنّ الشفاعة لا تتيسر لكل شخص، بل للشفاعة شروطها، فإذا لم تتوفر في أحد الأشخاص فلا يحق للنّبي أن يشفع له و يطلب من اللّه العفو لأجله (راجع المجلد الأوّل من هذا التّفسير ذيل الآية ٤٨ من سورة البقرة).
أمّا عن قوم نوح فكان عليهم أن يفكروا بجد- و لو لحظة واحدة- في دعوة النّبي نوح عليه السّلام و يحتملوا على الأقل أن هذا الإصرار و هذه الدعوات المكررة كلها من «وحي اللّه» فتكون مسألة العذاب و الطوفان حتمية!! إلّا أنّهم واصلوا استهزاءهم و سخريتهم مرّة أخرى و هي عادة الأفراد المستكبرين و المغرورين وَ يَصْنَعُ الْفُلْكَ وَ كُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ.
«الملأ» و الأشراف الراضون عن أنفسهم يسخرون من المستضعفين في كل مكان، و يعدونهم أذلاء و حقراء لأنّهم لا قوّة لهم و لا ثروة!! و مضافا بل حتى أفكارهم و إن كانت سامية، و مذهبهم و إن كان ثابتا و راسخا، و أعمالهم و إن كانت عظيمة و جليلة .. كل ذلك في حساب «الملأ» حقير تافه ..! و لذلك لم ينفعهم الإنذار و النصيحة. فلا بدّ أن تنهال أسواط العذاب الأليم على ظهورهم يقال أن الملأ من قوم نوح و الأشراف كانوا جماعات، و كل جماعة تختار نوعا من السخرية و الاستهزاء بنوح ليضحكوا و يفرحوا بذلك الاستهزاء! فمنهم من يقول: يا نوح، يبدو أن دعوى النبوة لم تنفع و صرت نجارا آخر الأمر!