الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤١٠ - ملاحظتان
ملاحظتان
١- جملة: فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ تشير إلى أنّ فئة من بين الأمم كانوا لا يسلمون أمام دعوة أي نبي و مصلح، و استمروا في الثبات على موقفهم، و لم تكن تؤثر فيهم دعوة الأنبياء المتكررة أدنى أثر، و بناء على هذا فإن الجملة المذكورة تشير إلى طائفة وقفت في وجه دعوة أنبياء متعددين في زمانين (و هذا هو ظاهر الجملة حيث أن مرجع كل الضمائر واحد).
و قد احتمل أيضا في معنى هذه الآية أنّها تشير إلى جماعتين مختلفتين، إحداهما كانت في زمن نوح و كذّبت دعوته، و الأخرى هم الذين جاؤوا بعد أولئك و سلكوا طريقهم في إنكار و تكذيب الأنبياء، و بناء على هذا، فإنّ معنى الجملة يصبح: إنّ المعتدين أقوام آخرين امتنعوا عن الإيمان بالشيء الذي امتنع الماضون عن الإيمان به.
طبعا، بملاحظة أنّ مخالفي دعوة نوح قد هلكوا أثناء الطوفان، سيقوى هذا الاحتمال في تفسير هذه الآية، إلّا أنّ ذلك يستلزم على كل حال أن نفرق بين مرجع الضمائر في الجملة، و هي واو الجمع في كانوا، و ليؤمنوا، و كذبوا.
٢- من الواضح أنّ جملة: كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ لا تدل على الجبر، و قد أخفي تفسير ذلك فيها، لأنّها تقول: إنّنا نطبع على قلوب المعتدين حتى لا يدركوا شيئا، و بناء على هذا فإنّ الاعتداءات المتكررة المتلاحقة على حدود الأحكام الإلهية و الحق و الحقيقة كانت تصدر من هؤلاء، و كانت تترك أثرها على قلوبهم تدريجيا حتى سلبت منهم قدرة تشخيص و تعيين الحق، و وصل الأمر بهم إلى أن يصبح التمرد و العصيان و المعصية طبيعة ثانية لديهم، بحيث لا يذعنون و لا يسلّمون أمام أية حقيقة [١].
[١] ذكرنا تفصيل هذا المطلب في المجلد الأوّل ذيل الآية (٧) من سورة البقرة.