الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٥٨ - علاقة الدين بالدنيا
التالي يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً فإذا عملنا بهذه الأصول فإنّ اللّه سبحانه يهبنا حياة سعيدة إلى نهاية العمر، و فوق كل ذلك فإنّ كلا يعطى بمقدار عمله و لا يهمل التفاوت و التفاضل بين الناس في كيفية العمل بهذه الأصول ... وَ يُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ و أمّا في صورة المخالفة و العناد فتقول الآية: وَ إِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ حين تمثلون للوقوف في محكمة العدل الإلهي.
و اعلموا أنّ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ كائنا من كنتم، و في أي محل و مقام أنتم، و هذه الجملة تشير إلى الأصل الخامس من الأصول التفصيليّة للقرآن و هي مسألة «المعاد و البعث» و لكن لا تتصوروا- أبدا- أن قدرتكم تعدّ شيئا تجاه قدرة اللّه، أو أنّكم تستطيعون الفرار من أمره و محكمة عدله .. و لا تتصوروا- أيضا- أنّه لا يستطيع أن يجمع عظامكم النخرة بعد الموت و يكسوها ثوبا جديدا من الحياة .. وَ هُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
علاقة الدين بالدنيا:
ما يزال الكثير يظنون أن التدين هو العمل لعمارة الآخرة و السعادة بعد الموت، و أنّ الأعمال الصالحة هي الزاد و المتاع للدار الآخرة .. و لا يكترثون أبدا بأثر الدين الأصيل في الحياة الدنيا على حين أن الدين الصحيح في الوقت الذي يعمر الدار الآخرة يعمر «الدنيا» أيضا .. و طبيعي إذا لم يكن للدين أي تأثير على هذه الحياة الدنيا فلا تأثير له في الحياة الأخرى أيضا.
و القرآن الكريم يتعرض لهذا الموضوع بصراحة في آيات كثيرة، و ربّما يتناول أحيانا الجزئيات من هذه المسائل، كما ورد في سورة نوح عليه السّلام على لسان هذا النّبي العظيم مخاطبا قومه فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَ يُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَ بَنِينَ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً [١].
[١] سورة نوح، ٩- ١١.