الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٧٩ - ١- التّجمعات الكبيرة
بحوث
و هنا ملاحظات تسترعي الانتباه:
١- التّجمعات الكبيرة
يبدو بوضوح- من الآيات المذكورة- مدى الأهمية التي يوليها الإسلام للمجتمعات الكبيرة، و الأماكن المزدحمة بالسكان، و الجميل في الأمر أنّ الإسلام قد نهض و بزغ نوره من محيط متخلف، محيط لا تشم منه رائحة التمدن و التطور، إلّا أنّه في الوقت نفسه يهتم اهتماما خاصّا بالعوامل البناءة التي تنهض بالمجتمع، و تحلّق به في أجواء التطور و الرقي، فنراه يقرر أنّ هؤلاء الذين يعيشون في مناطق نائية عن المدينة أكثر تخلفا من أهل المدن، لأنّهم لا يملكون الوسائل الكافية للتعليم و التربية فتخلفوا، و لهذا نقرأ
في نهج البلاغة قول أمير المؤمنين عليه السّلام: «الزموا السواد الأعظم، فإنّ يد اللّه مع الجماعة» [١].
إلّا أنّ هذا الكلام لا يعني أن يتجه كل الناس إلى المدن، و يتركوا القرى- التي هي أساس عمران المدن- تعبث بها يد الخراب، بل يجب السّعي في إيصال علم و تقدم المدينة إلى القرية، و تقوية أسس التربية و التعليم و أصول الدين و الوعي و نشرها بين صفوف القرويين.
و لا شك أنّ سكان القرى إذا تركوا على حالتهم و لم تفتح عليهم نافذة من العلوم المدنية و آيات الكتب السماوية، و تعليمات و توجيهات النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم و الهداة الكرام، فسيحل بهم الكفر و النفاق سريعا و يأخذ منهم مأخذا عظيما. إنّ هؤلاء لهم استعداد أكبر لقبول التربية السليمة و التعليم الصحيح لصفاء قلوبهم، و بساطة أفكارهم، و قلّة انتشار المكر و المراوغة التي تعم المدن بينهم.
[١] نهج البلاغة، الخطبة ١٢٧.