الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٧٧ - الأعراب القساة و المؤمنون
لحقت بهم، لا أنّه توفيق و نصر و تجارة رابحة: وَ مِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَماً [١].
و من الصفات الأخرى لهؤلاء أنّهم دائما ينتظرون أن تحيط بكم المصائب و النوائب و المشاكل، و يرميكم الدهر بسهمه: وَ يَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ.
«الدوائر» جمع دائرة، و معناها معروف، و لكن العرب يقولون للحادثة الصعبة و الأليمة التي تحل بالإنسان: دائرة، و جمعها (دوائر).
في الواقع أنّ هؤلاء أفراد ضيقو النظر، و بخلاء و حسودون، و بسبب بخلهم فإنّهم يرون كل إنفاق في سبيل اللّه خسارة، و بسبب حسدهم فإنهم ينتظرون دائما ظهور المشاكل و المشاغل و المصائب عند الآخرين. ثمّ تقول الآية- بعد ذلك- إن هؤلاء ينبغي أن لا يتربصوا بكم، و ينتظروا حلول المصائب و الدوائر بكم، لأنّها في النهاية ستحل بهم فقط: عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ [٢].
ثمّ تختم الآية الحديث بقولها: وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، فهو تعالى يسمع كلامهم، و يعلم بنياتهم و مكنون ضمائرهم.
أمّا الآية الأخيرة فقد أشارت إلى الفئة الثّانية من الأعراب، و هم المؤمنون المخلصون، إذ تقول: وَ مِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ و لهذا السبب فإنّهم لا يعتبرون الإنفاق في سبيل اللّه خسارة أبدا، بل وسيلة للتقرب إلى اللّه و دعاء الرّسول صلى اللّه عليه و آله و سلّم، لإيمانهم بالجزاء الحسن و العطاء الجزيل الذي ينتظر
[١] مغرم- كما ورد في مجمع البيان- مأخوذة من مادة (غرم) على وزن (جرم)، و هي في الأصل بمعنى ملازمة الشيء، و لهذه المناسبة قيل للدائن و المدين اللذين لا يدع كل منهما صاحبه: غريم، و أيضا قيل: غرامة، لنفس هذه المناسبة لأنّها تلازم الإنسان و لا تنقطع عنه إلّا بأدائها. و يقال للعشق الشديد: غرام، لأنّه ينفذ إلى روح الإنسان بصورة لا يمكن تصور الانفصال معها. و مغرم يساوي غرامة من حيث المعنى.
[٢] يستفاد من جملة عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ الحصر، أي إنّ حوادث السوء ستنال هؤلاء فقط. و استفادة الحصر هذه من أن (عليهم) خبر مقدم على المبتدأ.