الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥١٩ - كفانا الكلام فأين ما تعدنا به؟!
فاختيار هذه الطريقة إزاء كل ذلك اللطف و تلك المحبّة من قبل أنبياء اللّه و نصائحهم التي تجري كالماء الزلال على القلوب، إنّما تحكي عن مدى اللجاجة و التعصب الأعمى لدى تلك الأقوام.
في الوقت ذاته يشعرنا كلام نوح عليه السّلام بأنّه سعى مدّة طويلة لهداية قومه، و لم يترك فرصة للوصول إلى الهدف إلّا انتهزها لإرشادهم، و لكن قومه الضالين أظهروا جزعهم من أقواله و إرشاداته. و هذه المعادلة تتجلى جيدا في سائر الآيات التي تتحدث عن نوح عليه السّلام و قومه في القرآن، ففي سورة نوح عليه السّلام بيان لهذه الظاهرة بشكل واف- أيضا- فلنلاحظ الآيات التي تبدا من الآية [٥] و تنتهي بالآية (١٣) من سورة نوح حيث نقرأ فيها: قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَ نَهاراً فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً وَ إِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَ اسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَ أَصَرُّوا وَ اسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهاراً ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَ أَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً.
في الآية- محل البحث- وردت جملة «جادلتنا» من مادة «المجادلة» و أصلها مشتق من «الجدل» التي تعني فتل الحبل و إبرامه، و لذلك يطلق على البازي «أجدل» لأنّه أشد فتلا من جميع الطيور، ثمّ توسعوا في اللغة فصارت تطلق على الالتواء في الكلام و ما أشبه.
مع أنّ «الجدال» و «المراء» و «الحجاج» على وزن «اللجاج» متقاربة المعاني و متشابهة فيما بينها، لكن بعض المحققين يرى أنّ «المراء» فيه نوع من المذمّة، لأنّه يستعمل أحيانا في الاستدلال في المسائل الباطلة، و لكن ذلك المفهوم لا يدخل في كلمتي «الجدال و المجادلة»، و الفرق بين الجدال و الحجاج، أن الجدال يستعمل ليلفت الطرف المقابل و يبعده عن عقيدته، أمّا الحجاج فعلى العكس من ذلك بأن يدعى الشخص إلى العقيدة الفلانية بالاستدلال و البرهان.
لقد أجاب نوح عليه السّلام بجملة قصيرة على هذه اللجاجة و الحماقة و عدم الاعتناء