الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٣٤ - ملاحظات
و النفاق، هي نسبة و علاقة العلة و المعلول، لأنّ الجملة الآنفة الذكر تبيّن و تقول بصراحة: إنّ سبب النفاق الذي نبت في قلوبهم و حرفهم عن الجادة هو بخلهم و نقضهم لعهودهم، و كذلك الذنوب و المخالفات الأخرى التي ارتكبوها، و لهذا فإنّنا نقرأ في بعض العبارات أن الكبائر في بعض الأحيان تكون سببا في أن يموت الإنسان و هو غير مؤمن، إذ ينسلخ منه روح الإيمان بسببها.
٢- إنّ المقصود من يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ و الذي يعود ضميره إلى اللّه سبحانه و تعالى هو يوم القيامة، لأن تعبير لِقاءَ رَبِّهِ و أمثاله في القرآن يستعمل عادة في موضوع القيامة. صحيح أن فترة العمل- التي هي الحياة الدنيا- تنتهي بموت الإنسان، و بموته يغلق ملف أعماله الصالحة و الطالحة، إلّا أن آثار تلك الأعمال تبقى تؤثر في روح الإنسان إلى يوم القيامة.
و قد احتمل جماعة أنّ ضمير (يلقونه) يعود إلى البخل، فيكون المعنى: حتى يلاقوا جزاء بخلهم و عقابه. و يحتمل كذلك أن يكون المراد من لقاء اللّه: لحظة الموت. إلّا أن جميع هذه خلاف ظاهر الآية، و الظاهر ما قلناه.
و لنا بحث في أنّه ما هو المقصود من لقاء اللّه في ذيل الآية (٦٤) من سورة البقرة.
٣- و يستفاد أيضا- من الآيات أعلاه- أنّ نقض العهود و الكذب من صفات المنافقين، فهؤلاء سحقوا جميع العهود المؤكدة مع ربّهم و لم يعيروها أية أهمية، فإنّهم يكذبون حتى على ربّهم، و الحديث المعروف المنقول عن النبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم يؤكّد هذه الحقيقة، حيث
يقول صلى اللّه عليه و آله و سلّم: «للمنافق ثلاث علامات: إذا حدث كذب، و إذا وعد أخلف، و إذا ائتمن خان» [١].
و من الملفت للنظر وجود هذه العلامات الثلاث مجتمعة في القصّة المذكورة- قصّة ثعلبة- فإنّه كذب، و أخلف وعده، و خان أمانة اللّه، و هي الأموال التي رزقه اللّه
[١] مجمع البيان، ذيل الآية.