الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٧٨ - قصّة ثمود
لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ.
و لكي يحرك إحساسهم بمعرفة الحق أشار إلى عدد من نعم اللّه المهمّة التي استوعبت جميع وجودهم فقال: هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ.
فأين هذه الأرض و التراب الذي لا قيمة له، و أين هذا الوجود العالي و الخلقة البديعة؟ ترى هل يجيز العقل أن يترك الإنسان خالقه العظيم الذي لديه هذه القدرة العظيمة و هو واهب هذه النعم، ثمّ يمضي إلى عبادة الأوثان التي تثير السخرية.
ثمّ يذكّر هؤلاء المعاندين بعد أن أشار إلى نعمة الخلقة بنعم أخرى موجودة في الأرض حيث قال: وَ اسْتَعْمَرَكُمْ فِيها.
و أصل «الاستعمار» و «الإعمار» في اللغة يعني تفويض عمارة الأرض لأي كان، و طبيعي أنّ لازم ذلك يجعل الوسائل و الأسباب في اختيار من يفوّض إليه ذلك تحت تصرفه! هذا ما قاله أرباب اللغة، كالراغب في المفردات، و كثير من المفسّرين في تفسير الآية المتقدمة.
و يرد احتمال آخر، و هو أنّ اللّه منحكم عمرا طويلا في هذه الأرض، و بديهي أنّ المعنى الأوّل و بملاحظة مصادر اللغة هو الأقرب و الأصح كما يبدو.
و على كل حال فهذا الموضوع يصدق بمعنييه في ثمود، حيث كانت لديهم أراض خصبة و خضراء و مزارع كثيرة الخيرات و البركات، و كانوا يبذلون في الزراعة ابتكارات و قدرات واسعة، و إلى ذلك كله كانت أعمارهم مديدة و أجسامهم قويّة و كانوا متطورين في بناء المساكن و البيوت، كما يقول القرآن الكريم: وَ كانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً آمِنِينَ [١].
الطريف هنا أنّ القرآن لم يقل: إنّ اللّه عمر الأرض و جعلها تحت تصرفكم،
[١] سورة الحجر، ٨٢.