الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٤٥ - درس كبير!
مرّت عشرة أيّام على هذه الواقعة، و كان الهواء حارا محرقا، فحضر يوما عند زوجتيه، و كنّ قد هيأن خيمته، و أحضرن الطعام اللذيذ و الماء البارد، فتذكر فجأة النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم، و غاص في تفكير عميق، و قال في نفسه: إنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم الذي غفر اللّه له ما تقدم من ذنبه و ما تأخر، و ضمن له آخرته، قد حمل سلاحه على عاتقه و سار في الصحاري المحرقة، و تحمل مشقّة هذا السفر، أمّا أبو خيثمة- يعني نفسه- فهو في ظل بارد، يتمتع بأنواع الأطعمة، و النساء الجميلات!! إنّ هذا ليس من الإنصاف.
فالتفت إلى زوجاته و قال: أقسم باللّه أن لا أكلم إحداكن كلمة، و لا أستظل بهذه الخيمة حتى ألتحق بالنّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم. قال ذلك و حمل زاده و جرابه و ركب بعيره و سار، و جهدت زوجتاه أن يكلمنه فلم يعبأ بهما و لم ينبس ببنت شفة، و واصل سيره حتى اقترب من تبوك.
فقال المسلمون بعضهم لبعض: من هذا الراكب على الطريق؟،
فقال النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم: «كن أبا خيثمة»
فلمّا اقترب و عرفه الناس، قالوا: نعم، هو أبو خيثمة، فأناخ راحلته و سلّم على النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم، و حدثه بما جرى له، فرحبّ به النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم، و دعا له.
و بذلك فإنّه كان من جملة الذين مال قلبهم إلى الباطل، إلّا أنّ اللّه سبحانه و تعالى لما رأى استعداده الروحي أرجعه إلى الحق و ثبّت قدمه.
و قد نقل سبب آخر لنزول الآية الثّانية، خلاصته:
إنّ ثلاثة من المسلمين و هم: «كعب بن مالك» و «مرارة بن ربيع» و «و هلال بن أمية»، امتنعوا من المسير مع النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم و الاشتراك في غزوة تبوك، إلّا أن ذلك ليس لكونهم جزءا من المنافقين، بل لكسلهم و تثاقلهم، فلم يمض زمان حتى ندموا.
فلمّا رجع النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم من غزوة تبوك حضروا عنده و طلبوا منه العفو عن