الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٤٧ - الحصار الاجتماعي للمذنبين
التّفسير
الحصار الاجتماعي للمذنبين:
تتحدّث هذه الآيات أيضا عن غزوة تبوك، و المسائل و الأحداث التي ترتبط بهذا الحدث الكبير، و ما جرى خلاله.
فتشير الآية الأولى إلى رحمة اللّه اللامتناهية التي شملت النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم و المهاجرين و الأنصار في اللحظات الحساسة، و تقول: لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَ الْمُهاجِرِينَ وَ الْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ.
ثمّ تبيّن أن شمول هذه الرحمة الإلهية لهم كان في وقت اشتدت فيه الحوادث و الضغوط و الاضطرابات إلى الحد الذي أوشكت أن تزل فيه أقدام بعض المسلمين عن جادة الصواب، (و صمموا على الرجوع من تبوك) فتقول: مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ. ثمّ توكّد مرّة أخرى على أن اللّه سبحانه قد تاب عليهم، فتقول: ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ.
و لم تشمل الرحمة الإلهية هذا القسم الكبير الذي شارك في الجهاد فقط، بل شملت حتى الثلاثة الذين تخلفوا عن القتال و مشاركة المجاهدين في ساحة الجهاد: وَ عَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا.
إلّا أنّ اللطف الإلهي لم يشمل هؤلاء المتخلفين بهذه السهولة، بل عند ما عاش هؤلاء- و هم كعب بن مالك و مرارة بن ربيع و هلال بن أمية، الذين مر شرح حالهم في سبب النزول- مقاطعة اجتماعية شديدة، و قاطعهم كل الناس بالصورة التي تصورها الآية، فتقول: حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ.
بل إنّ صدور هؤلاء امتلأت همّا و غمّا بحيث ظنوا أن لا مكان لهم في الوجود، فكأنّه ضاق عليهم وَ ضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ فابتعد أحدهم عن الآخر و قطعوا العلاقة فيما بينهم.
عند ذلك رأوا كل الأبواب مغلقة بوجوههم. فأيقنوا وَ ظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ