الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٠٩ - قصّة نوح المثيرة مع قومه
في الحقيقة أن مسألة التوحيد و العبودية للّه الواحد الأحد هي أساس دعوة الأنبياء جميعا. فنحن نقرا في الآية الثّانية من هذه السورة، و الآية (٤٠) من سورة يوسف عليه السّلام، الآية (٢٣) من سورة الإسراء ... نقرأ في هذه الآيات و أمثالها في الحديث عن الأنبياء أن دعوتهم جميعا تتلخص في توحيد اللّه سبحانه.
فإذا كان جميع أفراد المجتمع موحدّون و لا يعبدون إلّا اللّه، و لا ينقادون للأوثان الوهمية الخارجية منها و الداخلية من قبيل الأنانية و الهوى و الشهوات و المقام و الجاه و النساء و البنين فلا يبقى أثر للسلبيات و الخبائث في المجتمع البشري.
فإذا لم يصنع الشخص الضعيف من ضعفه هذا صنما ليسجد له و يتبع أمره، فلا استكبار حينئذ و لا استعمار، و لا آثارهما الوخيمة من قبيل الذل و الأسر و التبعية و الميول المنحرفة و أنواع الشقاء بين أفراد المجتمع، لأنّ كل هذه الأمور وليدة الانحراف عن عبادة اللّه و التوجه نحو الأصنام و الطواغيت .. فلننظر الآن أوّل ردّ فعل من قبل الطواغيت و اتباع الهوى و المترفين و أمثالهم إزاء إنذار الأنبياء، كيف كان و ماذا كان؟! لا شك أنّه لم يكن سوى حفنة من الأعذار الواهية و الحجج الباطلة و الأدلة الزائفة التي تعتبر ديدن جميع الجبابرة في كل عصر و زمان، فقد أجاب أولئك دعوة نوح بثلاثة إشكالات:
الأوّل: إنّ الإشراف و المترفين من قوم نوح عليه السّلام قالوا له أنت مثلنا و لا فرق بيننا و بينك: فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا زعما منهم أن الرسالة الإلهية ينبغي أن تحملها الملائكة إلى البشر لا أن البشر يحملها إلى البشر! و ظنّا منهم أنّ مقام الإنسان أدنى من مقام الملائكة، أو أنّ الملائكة تعرف حاجات الإنسان أكثر منه.
نلاحظ هنا كلمة «الملأ» التي تشير إلى أصحاب الثروة و القوة الذين يملأ العين