الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٦٤ - العشق للجهاد و دموع الحسرة
أنّ اللّه الغفور الرحيم سيعفي هؤلاء عن الحضور حتما، و يعفو عنهم.
و يستفاد من جملة من الرّوايات التي نقلها المفسّرون في ذيل هذه الآية، أنّ هذه المجموعات المعذورة لا يقتصر الأمر فيهم على السماح لهم في التخلف و عدم مؤاخذتهم فحسب، بل إنّ أفرادها لهم من الجزاء و الثواب كثواب المجاهدين الذين حضروا و قاتلوا، كل على قدر اشتياقه و تحرقه للمشاركة، فنحن نقف على
حديث عن النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم و نقرأ: إنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم لما قفل من غزوة تبوك فأشرف على المدينة قال: «لقد تركتم بالمدينة رجالا ما سرتم في مسير، و لا أنفقتم من نفقة، و لا قطعتم واديا إلّا كانوا معكم فيه قالوا: «و كيف يكونون معنا و هم بالمدينة؟ قال:
حبسهم العذر» [١].
ثمّ تشير الآية إلى الفئة الرّابعة من المعفو عنهم و هؤلاء هم الذين حضروا- بشوق- عند النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم و طلبوا منه أن يحملهم على الدواب للمشاركة في الجهاد، فاعتذر النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم بأنّه لا يملك ما يحملهم عليه، فخرجوا من عنده و عيونهم تفيض من الدمع حزنا و أسفا على ما فاتهم، و على أنّهم لا يملكون ما ينفقونه في سبيل اللّه: وَ لا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَ أَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ.
«تفيض» من مادة الفيضان، أي الانسكاب و التساقط بعد الامتلاء، فإنّ الإنسان إذا أهمه أمر أو دهمته مصيبة، فإذا لم تكن شديدة اغرورقت عيناه بالدموع و امتلأت دون أن تجري، أمّا إذا وصلت إلى مرحلة يضعف الإنسان عن تحملها سالت دموعه.
إنّ في هذه دلالة على أنّ هؤلاء النفر من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم كانوا عشاقا و مولهين بالجهاد إلى درجة أنّهم لما رخص لهم في البقاء لم يكتفوا بالتأسف و الهمّ لهذه الرخصة، بل إنّهم جرت دموعهم كما لو فقد إنسان أعز أصدقائه و أحبائه،
[١] الدر المنثور، طبقا لنقل الميزان، ج ٩، ص ٣٨٦.