الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٦٧ - ملاحظتان
الذي لا يفعل إلّا الحكمة و العدل إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.
ملاحظتان
الأولى: إنّ «الناصية» في اللغة معناها الشعر المسترسل على الجبهة، و هي مشتقة من «نصا» و معناها الاتصال و الارتباط، و أخذ بناصية فلان «كناية عن القهر و التسلط عليه» فما ورد في الجملة السابقة من الآية من قول الحق سبحانه:
ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إشارة إلى قدرته القاهرة على جميع الأشياء بحيث لا شيء في الوجود له طاقة المقاومة قبال هذه القدرة، لأنّ من أحكم الإمساك على شعر مقدم الرأس من الإنسان أو أي حيوان آخر، فإنّه يسلب منه القدرة على المقاومة عادة.
و الغرض من هذه العبارة أنّ المستكبرين المغترين و عبدة الأوثان و الظالمين الباحثين عن السلطة لا يتصوروا أنّه إذا أخلي لهم الميدان لعدّة أيّام فذلك دليل على قدرتهم على المقاومة أمام قدرة اللّه، فعليهم أن يلتفتوا إلى هذه الحقيقة و أن ينزلوا من مركب غرورهم.
الثّانية: إنّ جملة رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ من أروع التعابير في الحكاية عن قدرة اللّه المقترنة بعدله، لأنّ المقتدرين في الغالب ظالمون و متجاوزون للحدود، و لكن اللّه سبحانه مع قدرته التي لا نهاية لهم فهو دائما على صراط مستقيم، و جادة صافية و نظم و حساب و دقة!.
كما ينبغي الانتباه الى هذه المسألة الدقيقة، و هي أنّ كلام هود عليه السّلام للمشركين كان يبيّن هذه الحقيقة، و هي أنّ الأعداء مهما لجوا في عنادهم و زادوا من لجاجتهم فإنّ القائد الحق ينبغي أن يزيد من استقامته! فكما أن قوم هود خوّفوه بشدّة من آلهتهم و «أوثانهم»، فإنّ هودا في المقابل أنذرهم بنحو أشدّ من قدرة اللّه