الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٥١ - واحدة من علامات الحق و الباطل
يذكرها القرآن، و إذا كان هذا حالهم فكيف يطلب القرآن منهم الاعتراف به؟
الثّاني: في الآية السابقة كان الكلام عن اعتراف المشركين و إقرارهم، إلّا أنّ هذه الآية تأمر النّبي أن يقرّ هو بهذه الحقيقة، فلما ذا هذا الاختلاف في التعبير؟
إلّا أنّ الانتباه إلى مسأله يوضح جواب كلا السؤالين، و هي: إنّ المشركين بالرغم من عدم اعتقادهم بالمعاد الجسماني، إلّا أنّ ذلك القدر الذي آمنوا به من أن بداية الخلق كانت من اللّه كاف لتقبل المعاد و الإعتقاد به، لأنّ كل من عمل عملا في البداية قادر على إعادته، و بناء على هذا فإنّ الإعتقاد بالمبدإ إذا ما اقترن بشيء من الدقة كاف لإثبات المعاد. و من هنا يتّضح لماذا أقر النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم بهذه الحقيقة بدلا من المشركين، فإنّه بالرغم من كون الإيمان بالمعاد من لوازم الإيمان بالمبدأ، إلّا أنّ هؤلاء لما لم يتوجهوا إلى هذه الملازمة، اختلف طراز التعبير و أقر النّبي مكانهم.
ثمّ تأمر الآية الأخرى النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم مرّة أخرى: قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِ لأنّ المعبود يجب أن يكون هاديا و مرشدا لعبادة، خاصّة و أنّها هداية نحو الحق، في حين أنّ آلهة المشركين، أعمّ من الجمادات أو الاحياء، غير قادرة أن تهدي أحدا إلى الحق بدون الهداية الإلهية، لأنّ الهداية إلى الحق تحتاج إلى منزلة العصمة و الصيانة من الخطأ و الاشتباه، و هذا لا يمكن من دون هداية اللّه سبحانه و تسديده، و لذلك فإنّها تضيف مباشرة: قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِ و إذا كان الحال كذلك أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى [١].
و تقول الآية في النهاية بلهجة التوبيخ و التقريع و الملامة: فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ.
و في آخر آية إشارة إلى المصدر الأساس و العامل الأصل لهذه الانحرافات و هو الأوهام و الظنون وَ ما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً و في
[١] يهدّي كانت في الأصل يهتدي، فبدلت التاء دالا و أدغمت فشددت.