الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٤١ - العقاب بعد البيان
التّفسير
العقاب بعد البيان:
إن الآية الأولى تشير إلى قانون كلّي و عام، يؤيده العقل أيضا، و هو أنّ اللّه سبحانه و تعالى ما دام لم يبيّن حكما، و لم يصل شيء من الشرع حوله، فإنّه تعالى سوف لا يحاسب عليه أحدا، و بتعبير آخر: فإنّ التكليف و المسؤولية تقع دائما بعد بيان الأحكام، و هذا هو الذي يعبر عنه في علم الأصول بقاعدة (قبح العقاب بلا بيان).
و لذلك فأوّل ما تطالعنا به الآية قوله: وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ.
إنّ المقصود من (يضل)- في الأصل الإضلال و التضييع، أو الحكم بالإضلال- كما احتمله بعض المفسّرين (كما يقال في التعديل و التفسيق، أي الحكم بعدالة الشخص و فسقه) [١] أو بمعنى الإضلال من طريق الثواب يوم القيامة، و هو في الواقع بمعنى العقاب.
أو أنّ المقصود من «الإضلال» ما قلناه سابقا، و هو سلب نعمة التوفيق، و إيكال الإنسان إلى نفسه، و نتيجة ذلك هو الضياع و الحيرة و الانحراف عن طريق الهداية لا محالة، و هذا التعبير إشارة خفية و لطيفة إلى حقيقة ثابتة، و هي أنّ الذّنوب دائما هي مصدر و سبب الضلال و الضياع و الابتعاد عن طريق الرشاد [٢].
و أخيرا تقول الآية: إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ أي إن علم اللّه يحتم و يؤكّد على أنّ اللّه سبحانه ما دام لم يبيّن الحكم الشرعي لعباده، فإنّه سوف لا يؤاخذهم أو يسألهم عنه.
[١] يتصور البعض أنّ باب (تفعيل) هو الوحيد الذي يأتي أحيانا بمعنى الحكم، في حين يلاحظ ذلك في باب (إفعال) أيضا، كالشعر المعروف المنقول عن الكميت، حيث يقول في بيان عشقه و حبّه لآل محمّد صلى اللّه عليه و آله و سلّم: و طائفة قد أكفروني بحبّكم.
[٢] لمزيد التوضيح حول معنى الهداية و الضلال في القرآن، راجع ذيل الآية (٢٦) من سورة البقرة.