الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٤٢ - جواب سؤال
جواب سؤال
يتصور بعض المفسّرين و المحدّثين أنّ الآية دليل على أن «المستقلات العقلية»- (و هي الأمور التي يدركها الإنسان عن طريق العقل لا عن طريق حكم الشرع، كإدراك قبح الظلم و حسن العدل، أو سوء الكذب و السرقة و الاعتداء و قتل النفس و أمثال ذلك)- ما دام الشرع لم يبيّنها، فإن أحدا غير مسئول عنها. و بتعبير آخر فإنّ كل الأحكام العقلية يجب أن تؤيد من قبل الشرع لإيجاد التكليف و المسؤولية على الناس، و على هذا فإنّ الناس قبل نزول الشرع غير مسئولين مطلقا، حتى في مقابل المستقلات العقلية.
إلّا أنّ بطلان هذا التصور واضح، فإنّ جملة حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ تجيبهم و تبيّن لهم أنّ هذه الآية و أمثالها خاصّة بالمسائل التي بقيت في حيز الإبهام و تحتاج إلى التّبيين و الإيضاح، و من المسلّم أنّها لا تشمل المستقلات العقلية، لأنّ قبح الظلم و حسن العدل ليس أمرا مبهما حتى يحتاج إلى توضيح.
الذين يذهبون إلى هذا القول غفلوا عن أن هذا القول- إن صحّ- فلا وجه لوجوب تلبية دعوة الأنبياء، و لا مبرر لأن يطالعوا و يحققوا دعوى مدعي النّبوة و معجزاته حتى يتبيّن لهم صدقه أو كذبه، لأنّ صدق النّبي و الحكم الإلهي لم يبيّن لحد الآن لهؤلاء، و على هذا فلا داعي للتحقق من دعواه.
و على هذا فكما يجب التثبت من دعوى من يدعي النّبوة بحكم العقل، و هو من المستقلات العقلية، فكذلك يجب اتباع سائر المسائل التي يدركها العقل بوضوح.
و الدليل على هذا الكلام التعبير المستفاد من بعض الأحاديث الواردة عن أهل البيت عليهم السّلام،
ففي كتاب التوحيد، عن الصادق عليه السّلام أنّه قال في تفسير هذه الآية: «حتى يعرّفهم ما يرضيه و ما يسخطه» [١].
و على كل حال، فإنّ هذه الآية و أمثالها تعتبر أساسا لقانون كلّي أصولي، و هو
[١] تفسير نور الثقلين، ج ٢، ص ٢٧٦.