الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٠٩ - مؤامرة أخرى للمنافقين
فإن اللّه لهم بالمرصاد و سوف يظهر خبيث أسرارهم و يكشف عن دنيء نيّاتهم، فقال: قُلِ اسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ.
تجدر الإشارة إلى أنّ جملة (استهزءوا) من قبيل الأمر لأجل التهديد كما يقول الإنسان لعدوّه: اعمل كل ما تستطيع من أذى و إضرار لترى عاقبة أمرك، و مثل هذه الأساليب و التعبيرات تستعمل في مقام التهديد.
كما يجب الالتفات إلى أنّنا نفهم من الآية بصورة ضمنية أنّ هؤلاء المنافقين يعلمون بأحقية دعوة النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم و صدقها، و يعلمون في ضميرهم و وجدانهم ارتباط النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم باللّه سبحانه و تعالى، إلّا أنهم لعنادهم و إصرارهم بدل أن يؤمنوا به و يسلموا بين يديه، فإنّهم بدأوا بمحاربته و إضعاف دعوته المباركة، و لذلك قال القرآن الكريم: يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ.
و ينبغي الالتفات إلى أنّ جملة تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ لا تعني أن أمثال هذه الآيات كانت تنزل على المنافقين، بل المقصود أنّها كانت تنزل في شأن المنافقين و تبيّن أحوالهم.
أمّا الآية الثّانية فإنّها أشارت إلى أسلوب آخر من أساليب المنافقين، و قالت:
وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَ نَلْعَبُ [١]. أي إذا سألتهم عن الدافع لهم على هذه الأعمال المشينة قالوا: نحن نمزح و بذلك ضمنوا طريق العودة، فهم من جهة كانوا يخططون المؤامرات، و يبثون السموم، فإذا تحقق هدفهم فقد وصلوا إلى مآربهم الخبيثة أمّا إذا افتضح أمرهم فإنّهم سيتذرعون و يعتذرون بأنّهم كانوا يمزحون، و عن هذا الطريق سيتخلصون من معاقبة النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم و الناس لهم.
إن المنافقين في أي زمان، تجمعهم وحدة الخطط، و الضرب على نفس الوتر،
[١] خوض على وزن حوض، و هو- كما ورد في كتب اللغة- بمعنى الدخول التدريجي في الماء، ثمّ أطلقت على الدخول في مختلف الأعمال من باب الكناية، إلّا أنّها جاءت في القرآن غالبا بمعنى الدخول أو الشروع بالأعمال أو الأقوال القبيحة البذيئة.