الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٤٧ - التّفسير
الخلقة، فتقول: وَ مَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَ يُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِ و هذا هو نفس الموضوع الذي حيّر عقول علماء الطبيعية و علماء الاحياء، و هو كيف أتى الموجود الحي إلى الوجود من موجود ميت؟ فهل إنّ مثل هذه المسألة- التي لم تفلح جهود و مساعي العلماء الحثيثة إلى الآن في كشف أسرارها- أمرا بسيطا و مرتبطا بالصدفة و بدون برنامج و هدف؟ لا شك أنّ من وراء ظاهرة الحياة المعقدة و الظريفة و المليئة بالأسرار علم و قدرة خارقة و عقل كلي.
إنّه لم يخلق الكائن الحي في البداية من الموجودات الأرضية الميتة و حسب، بل إنّه قرر عدم خلود الحياة، و لهذا خلق الموت في قلب الحياة ليفسح المجال عن هذا الطريق لتغير الأحوال و التكامل.
و يحتمل- أيضا- في تفسير هذه الآية أنّها تشمل الموت و الحياة المعنويين إضافة إلى الموت و الحياة الماديين، لأنّنا نرى أناسا عقلاء طاهرين و رعين مؤمنين يولدون أحيانا من أبوين ملوثين منحرفين لا إيمان لهما، و يلاحظ أيضا عكس ذلك حيث يأتي إلى الوجود إناسا تافهون لا قيمة لهم من أبوين فاضلين [١].
خلافا لقانون الوراثة.
طبعا، لا يوجد مانع من أن تكون الآية أعلاه إلى كلا القسمين، لأنّ كليهما من عجائب الخلقة و من الظواهر العجيبة في العالم، و هما موضحان لهذه الحقيقة، و هي أن لقدرة الخالق العالم الحكيم دخلا في هذه الأمور إضافة إلى الأمور الطبيعية.
و قد أعطينا توضيحات أخرى حول هذا الموضوع في المجلد الخامس ذيل الآية (٩٥) من سورة الأنعام.
ثمّ تضيف الآية: وَ مَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ، و الكلام في الواقع بدأ عن خلق المواهب، ثمّ عن حافظها و حارسها و مدبرها. و بعد أن يطرح القرآن الكريم هذه الأسئلة
[١] لقد جاء هذا المضمون في روايات متعددة في الجزء الأوّل ص ٥٤٣ من تفسير البرهان في ذيل الآية (٥٩) من سورة الأنعام.