الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٤٦ - إعاقة المنافقين مرّة أخرى
و تعذروا بأعذار واهية كبيت العنكبوت، و فرحوا بالسلامة و الجلوس في البيت بدل المخاطرة بأنفسهم و الاشتراك في الحرب رغم أنّها مخالفة لأوامر اللّه و رسوله: فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ و بدل أن يضعوا كل وجودهم و إمكاناتهم في سبيل اللّه لينالوا افتخار الجهاد و عنوان المجاهدين، فإنّهم امتنعوا وَ كَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
إلّا أنّ هؤلاء النفر لم يكتفوا بتخلفهم و تركهم لهذا الواجب المهم، بل إنّهم سعوا في تحذيل الناس عن الجهاد بوساوسهم الشّيطانية و محاولة إخماد جذوة الحماسة الملتهبة في صدور المسلمين و تشبث المنافقون بكل عذر يمكن أن يحقق الهدف حتى و لو كان العذر الحرّ!! وَ قالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ. و في الحقيقة إنّ هؤلاء كانوا يطمعون في أضعاف إرادة المسلمين، و من جهة أخرى كانوا يحاولون سحب أكبر عدد ممكن إلى مستنقع رذيلتهم، حتى لا ينفردوا بالجرم.
ثمّ تتغير وجهة الخطاب إلى النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم، فيأمره اللّه سبحانه و تعالى أن يجيبهم بلهجة شديدة و أسلوب قاطع: قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ. لكنّهم للأسف لضعف إيمانهم، و عدم الإدراك الكافي لا يعلمون آية نار تنتظرهم، فشرارة واحدة من تلك النّار أشدّ حرارة من جميع نيران الدّنيا و أشدّ حرقة و ألما.
و تشير الآية الثّانية إلى أنّ هؤلاء قد ظنوا بأنّهم قد حققوا نصرا بتخلفهم و تخذيلهم المسلمين و صرف أنظارهم عن مسألة الجهاد، و ضحكوا لذلك و قهقهوا بملء أفواههم، و هذا هو حال المنافقين في كل عصر و زمن، إلّا أنّ القرآن حذّرهم من مغبة أعمالهم فقال: فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَ لْيَبْكُوا كَثِيراً.
نعم، ليبكوا على مستقبلهم المظلم ليبكوا على العذاب الأليم الذي ينتظرهم ليبكوا على أنّهم أعلقوا كل أبواب العودة بوجوههم، و أخيرا ليبكوا على ما أنفقوا من قوتهم و قدراتهم و عمرهم الثّمين، و اشتروا به الخزي و الفضيحة و سوء العاقبة و تعاسة الحظ.