الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٢٧ - بداية النّهاية
و منهم من يقول: حسنا تصنع السفينة، فينبغي أن تصنع لها بحرا، أ رأيت إنسانا عاقلا يصنع السفينة على اليابسة. و منهم من يقول: واها لهذه السفينة العظيمة، كان بإمكانك أن تصنع أصغر منها ليمكنك سحبها إلى البحر.
كانوا يقولون مثل ذلك و يقهقهون عاليا، و كان هذا الموضوع مثار حديثهم و بحثهم في البيوت و أماكن عملهم، حيث يتحدثون عن نوح و أصحابه و قلّة عقلهم: تأملوا الرجل العجوز و تفرّجوا عليه كيف انتهى به الأمر، الآن ندرك أن الحق معنا حيث لم نؤمن بكلامه، فهو لا يملك عقلا صحيحا!! و لكن نوحا كان يواصل عمله بجدية فائقة و أناة و استقامة منقطعة النظير لأنّها وليدة الإيمان، و كان لا يكترث بكلمات هؤلاء الذين رضوا عن أنفسهم و عميت قلوبهم، و إنّما يواصل عمله ليكمله بسرعة. و يوما بعد يوم كان هيكل السفينة يتكامل و يتهيأ لذلك اليوم العظيم، و كان نوح عليه السّلام أحيانا يرفع رأسه و يقول لقومه الذين يسخرون منه هذه الجملة القصيرة قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ.
ذلك اليوم الذي يطغى فيه الطوفان فلا تعرفون ما تصنعون، و لا ملجأ لكم، و تصرخون معولين بين الأمواج تطلبون النجاة .. ذلك اليوم يسخر منكم المؤمنين و من غفلتكم و جهلكم و عدم معرفتكم و يضحكون عليكم.
فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَ يَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ إشارة إلى أنّه بالرغم من أنّ مضايقاتكم لنا مؤلمة، و لكننا نتحمل هذه الشدائد و نفتخر بذلك أوّلا، كما أنّ ذلك مهما يكن فهو منقض و زائل، أمّا عذابكم المخزي فهو باق و دائم ثانيا، و هذان الأمران معا لا يقبلان القياس.