الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٥٨ - مظاهر و تجليات جديدة من إعجاز القرآن
هادئا و العبارات طويلة.
إنّ المسائل التي طرحت في مكّة هي من النوع الأوّل، بينما المسائل التي طرحت في المدينة من النوع الثّاني، فما نزل في مكّة كان بداية ثورة و بيان للمبادئ العامّة، الاعتقادية و الانتقادية، و الذي نزل في المدينة كان لبناء مجتمع و بيان مسائل حقوقية و أخلاقية و قصص تاريخية و استخلاص النتائج الفكرية و العلمية.
و بما أنّ القرآن نزل بلغة البشر فلا بدّ من أن يتبع السبك الجميل و البليغ في كلام البشر، و في النتيجة مراعاة قصر و طول الآيات بما يناسب المفاهيم، و بالتالي يجب أن لا يكون القصر و الطول اعتباطيا و عشوائيا، بل يبدأ حسب قاعدة علمية دقيقة من الآيات القصيرة، و يسير على وتيرة تصاعدية واحدة نحو الآيات الطويلة، و على هذا الأساس يجب أن تكون كل آية أقصر من الآية التي نزلت بعد سنة، و أطول من الآية التي نزلت قبلها بسنة، و أن يكون مقدار الزيادة محسوبا و دقيقا، و على هذا فلمّا كان الوحي قد نزل خلال ٢٣ سنة، فيجب أن يكون لدينا ٢٣ طولا في الآيات كمعدل، و بناء على هذه القاعدة يمكن أن يكون لدينا ٢٣ عمودا بحيث تقسم كل الآيات حسب الطول في هذه الأعمدة، و الآن من أين نستطيع أن نعلم أن هذا التقسيم صحيح؟
نحن نعلم سبب نزول بعض الآيات بواسطة الرّوايات الشريفة التي ذكرت- بصراحة- في أية سنة نزلت هذه الآيات، و البعض الآخر يمكن تعيينه من خلال مفاهيمه، فمثلا: الآيات التي تبيّن بعض الأحكام كتغيير القبلة، و تحريم الخمر، و تشريع الحجاب و الزكاة و الخمس، أو الآيات التي تتحدث عن الهجرة، فإنّ سنّي تعيين هذه الأحكام معلومة.
و بتعجب مثير للدهشة نرى أن هذه الآيات التي يعلم عام نزولها، قد اجتمعت في نفس الأعمدة التي فرضت أنّها أخذت حسب الطول في هذا الجدول. «فتدبر