الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٠٠ - جانب من آيات عظمته
إِلَّا الظَّنَ إذ لا دليل و لا برهان لهم على كلامهم وَ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ.
كلمة «الخرص» وردت في اللغة بمعنى الكذب، و كذلك وردت بمعنى الحدس و التخمين، و في الأصل- كما قاله الراغب في مفرداته- بمعنى حزر الفواكه، ثمّ تخمينها على الأشجار، و لما كان الحدس و التخمين قد يخطئ أحيانا، فإنّ هذه المادة قد جاءت بمعنى الكذب أيضا.
و أساسا، فإنّ إتباع الظن و الحدس الذي لا يستند إلى أساس ثابت يجرّ الإنسان في النهاية إلى وادي الكذب عادة. و الأشخاص الذين جعلوا الأصنام شريكة للّه سبحانه لم يكن لهم مستند في ذلك إلّا الأوهام .. الأوهام التي يصعب علينا اليوم حتى تصورها، إذ كيف يمكن أن يصنع الإنسان تماثيل و مجسمات لا روح لها، ثمّ يعتبر ما صنعه و خلقه ربّا له و أنّه هو صاحب إرادته، و أن أمره بيده؟! يضع مقدراته في يده و تحت تصرفه و يطلب منه حل مشاكله؟! أ ليست هذه الدعوى من أوضح مصاديق الزيف و الكذب؟
بل يمكن استفادة هذا من الآية كقانون كلي عام- بدقة قليلة- و هو أنّ كل من يتبع الظن و الأوهام الباطلة فإنّه سينجرّ في النهاية إلى الكذب .. إنّ الحق و الصدق قائم على أساس القطع و اليقين، أمّا الكذب فإنّه يقوم على أساس التخمينات و الظنون و الشائعات! ثمّ و من أجل إكمال هذا البحث، و تبيّن طرق معرفة اللّه، و الابتعاد عن الشرك و عبادة الأوثان، أشارت الآية الثّانية إلى جانب من المواهب الإلهية التي أودعت في نظام الخلقة و الدالّة على عظمة و قدرة و حكمة اللّه عزّ و جلّ، فقالت: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَ النَّهارَ مُبْصِراً.
إنّ نظام النور و الظلمة الذي أكدت عليه آيات القرآن مرارا، نظام عجيب و غزير الفائدة، فهو من جهة يضيء عرصة حياة البشر بإفاضة النور في مدّة معينة و يحركها و يبعثها على السعى و الجد، و من جهة أخرى فإنّه بإرخاء سدول الليل