الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٤٨ - التّفسير
الثلاثة يقول مباشرة بأنّ هؤلاء سيجيبون بسرعة: فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ.
يستفاد من هذه الجملة جيدا أنّه حتى مشركي و عبدة الأصنام في الجاهلة كانوا يعلمون أنّ الخالق و الرازق و المحيي و مدبر أمور عالم الوجود هو اللّه سبحانه، و قد علموا هذه الحقيقة عن طريق العقل، و كذلك عن طريق الفطرة، و هي أنّ هذا النظام الدقيق للعالم لا يمكن أن يكون وليد الصدفة و الفوضى، أو مخلوقا من قبل هذه الأصنام.
و في آخر الآية يأمر اللّه نبيّه فَقُلْ أَ فَلا تَتَّقُونَ فإنّ الوحيد الذي له أهلية العبادة هو الذي بيده الخلق و تدبير أمره، و إذا كانت العبادة لأجل أهلية و عظمة ذات المعبود، فإنّ هذه الأهلية و العظمة منحصرة في اللّه تعالى، و إذا كانت من أجل أنّه مصدر الضر و النفع، فإنّ ذلك مختص باللّه أيضا.
و بعد أن عرضت الآية السابقة نماذج من آثار عظمة و تدبير اللّه في السماء و الأرض، و أيقظت وجدان و عقل المخالفين و دعتهم للحكم في أمر الخالق، و اعترف هؤلاء بذلك، خاطبتهم الآية التالية بلهجة قاطعة و قالت: فَذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُ لا الأصنام، و لا سائر الموجودات التي جعلتموها شريكة للباري عزّ و جلّ، و التي تسجدون أمامها و تعظمونها.
كيف يمكن أن يكون هؤلاء أهلا للعبودية في حين أنّهم ليسوا فقط غير قادرين على المشاركة في خلق العالم و تدبيره فحسب، بل منغمسون في الفقر و الاحتياج من الرأس حتى أخمص القدم.
ثمّ تنتهي إلى ذكر النتيجة: فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ و أنّى تولوا وجوهكم عن عبادة اللّه و أنتم تعلمون ألا خالق و لا معبود حقّا سواه؟
إنّ هذه الآية في الواقع تطرح طريقا منطقيا واضحا لمعرفة الباطل و تركه، و هو أن يخطو الإنسان أوّلا في سبيل معرفة الحق بآليات الوجدان و العقل، فإذا عرف الحق فإنّ كل ما خالفه باطل و ضلال، و يجب أن يضرب عرض الحائط.