الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١١ - درس تعليمي
واقعا و اليهود يطيعون أحبارهم دون قيد أو شرط، لذا فإنّ الآية أشارت إلى عبادة كل منهما، فقالت: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَ رُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ.
ثمّ فصلت المسيح على حدة فقالت: وَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ.
و هذا التعبير يدلّ على منتهى الدقة في القرآن.
و في ختام الآية تأكيد على هذه المسألة، و هي أن جميع هذه العبادات للبشر بدعة، و هي من العبادات الموضوعة وَ ما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلَّا هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ.
درس تعليمي:
إنّ القرآن المجيد يعلّم أتباعه في الآية- محل البحث- درسا قيّما جدّا، و يبيّن واحدا من أبرز مفاهيم التوحيد فيها، إذ يقول: لا يحقّ لأيّ مسلم طاعة إنسان آخر دون قيد أو شرط، لأنّ هذا الأمر مساو لعبادته، و جميع الطاعات يحب أن تكون في إطار طاعة اللّه، و إنّما يصح اتباع الإنسان نظيره متى كانت قوانينه غير مخالفة لقوانين اللّه، أيّا كان ذلك الإنسان و في أية مكانة أو منزلة. لأنّ الطاعة بلا قيد أو شرط مساوية للعبادة، أو هي شكل من أشكال الشرك و العبودية، إلّا أنّه يا للأسف- بلي المسلمون- لبعد المسافة الزمنية- بالابتعاد عن تعاليم هذا الدستور الإسلامي المهم، و إقامه الأصنام البشرية، فتفرقوا و تغلب عليهم المستعمرون و المستثمرون، و إذا لم تتكسر هذه الأصنام البشرية فلا ينبغي أن ننتظر زوال هذه البلايا و سدّ الثغرات.
و أساسا فإنّ هذا النوع من الشرك أو العبادة الوثنية أخطر بكثير من عبادة الأصنام و الأحجار في زمان الجاهلية، و السجود لها، لأنّ تلك الأصنام و الأحجار ليس فيها روح حتى تستعمر عبدتها، إلّا أنّ الأصنام البشرية و بسبب غرورهم و عدوانهم يجرّون أتباعهم إلى الوبال و الذلة و الشقاء و الانحطاط.