الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٦٥ - العمي و الصمّ
أمام الحق سيحرمون أنفسهم، و لا يضرون إلّا أنفسهم.
و قد ورد نظير هذا التعبير في آيات أخرى من القرآن، كما نقرأ في سورة الكافرون: لَكُمْ دِينُكُمْ وَ لِيَ دِينِ.
و من هذا البيان يتّضح أن محتوى مثل هذه الآيات لا ينافي مطلقا الأمر بالتبليغ أو الجهاد في مقابل المشركين كيما تعتبر مثل هذه الآيات منسوخة. بل إنّ هذا نوع من المواجهة المنطقية عن طريق عدم الاكتراث لهؤلاء الأشخاص المعاندين.
و تشير الآيتان التاليتان إلى سبب انحراف هؤلاء و عدم إذعانهم للحق، و تبيّن أنّ التعليمات الصحيحة، و الآيات المعجزة التي تهزّ الوجدان و الدلالات الأخرى الواضحة لا تكفي بمفردها لهداية الإنسان، بل إنّ استعداد التقبل و لياقة قبول الحق لازمة أيضا، كما أنّ البذر لوحده ليس كافيا لإنبات النبات و الأوراد، بل إنّ الأرض بدورها يجب أن تكون مستعدة. و لهذا قالت الآية: وَ مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ [١] أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَ لَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ.
و هناك فئة ثانية يشخصون بأبصارهم إليك، و ينظرون إلى أعمالك المتضمنة أحقيتك و صدق قولك، إلّا أنّهم عمي لا يبصرون: وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ [٢] أَ فَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَ لَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ.
و لكن اعلم و ليعلم هؤلاء أنّ قصور الفكر هذا، و عدم البصيرة و العمى عن رؤية وجه الحق، و الصمم عن سماع كلام اللّه ليس شيئا ذاتيا لهم نشؤوا عليه منذ ولادتهم، و إنّ اللّه تعالى قد ظلمهم، بل إنّهم هم الذين ظلموا أنفسهم بأعمالهم السيئة و عدائهم و عصيانهم للحق، و عطلوا بذلك عين بصيرتهم و أذن أفئدتهم عن
[١] في الحقيقة هناك جملة مقدرة في هذه الآية تقديرها: «كأنّهم صم لا يستمعون».
[٢] هنا أيضا جمله مقدرة هي: كأنّهم عمي لا يبصرون.