الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٤ - كنز الأموال
و لبعض العلماء تعريف طريف في شأن هذين المعدنين و لغتيهما «كما ذكر ذلك العلّامة الطبرسي في مجمع البيان» فقال: إنّما سمّي الذهب ذهبا لذهابه عن اليد عاجلا، و إنّما سمّيت الفضة لانفضاضها أي لتفرّقها، و لمعرفة مآل و حقيقة هذه الثروة فإنّ هذه التسمّية كافية (لكلّ من المالين- الذهب و الفضة).
و منذ كانت المجتمعات البشرية كانت مسألة المبادلة- سلعة بسلعة- رائجة بين الناس، فكان كلّ يبيع ما يجده زائدا على حاجته من المحاصيل الزراعية أو الدواجن بجنس آخر، أو بضاعة أخرى، لأنّ النقد «الدينار أو الدرهم» لم يكن آنئذ، لكن لما كانت المبادلة- أعني مبادلة الأجناس أو البضائع- تحدث بعض المشاكل أو المصاعب، لعدم وجود ما يحتاجه البائع، دائما فقد يكون هناك شيء آخر- مثلا- يراد تبديله، فقد دعت الحاجة الى اختراع النقد.
و قد كان وجود الفضة، بل الأهم منه وجود الذهب، مدعاة الى تحقق هذه الفكرة، و هي أن تمثل الفضة القيمة الدانية، و أن يمثل الذهب القيمة الغالية، و بهما اتّخذت المعاملات رونقا جديدا بارزا.
فبناء على ذلك فإنّ الحكمة الأصيلة من النقد- الذهب و الفضة- هي سرعة تحرك عجلة المبادلات الاقتصادية.
أمّا الذين يكنزون الذهب و الفضة، فهم لا يكونون سببا لركود الوضع الاقتصادي و الضرر بالمجتمع فحسب، بل إنّ عملهم هذا مخالف لفلسفة ابتداع النقد و اختراعه.
فالآية محل البحث تحرم الكنز و جمع المال، و الثروة بصراحة، و تأمر المسلمين أن ينفقوا أموالهم في سبيل اللّه و ما فيه نفع عباد اللّه، و أن يتجنبوا كنزها و دفنها و إبعادها عن تحرك السوق، و إلّا فلينتظروا «العذاب الأليم».
و هذا العذاب الأليم ليس جزاءهم في يوم القيامة فحسب، بل يشملهم في الدنيا- لإرباكهم الحالة الاقتصادية و لإيجاد الطبقية بين الناس «الفقير و الغني» أيضا.