الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١١٦ - تكرر التأريخ و الإعتبار به
طريق قضاء الشهوات و المعصية و الفساد و الانحراف، فإنّكم قد تمتعتم بنصيبكم كهؤلاء: فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ و الخلاق في اللغة بمعنى النصيب و الحصة، يقول الراغب في مفرداته:
أنّها مأخوذة من مادة (خلق)، و يحتمل- على هذا- أن الإنسان قد يستفيد و يتمتع بنصيبه في هذه الحياة الدنيا بما يناسب خلقه و خصاله.
ثمّ تقول بعد ذلك: إنّكم كمن مضى من أمثالكم قد أوغلتم و سلكتم مسلك الاستهزاء و السخرية، تماما كهؤلاء: وَ خُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا [١].
ثمّ تبيّن الآية عاقبة أعمال المنافقين الماضين لتحذر المنافقين المعاصرين للنبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم و كل منافقي العالم في جملتين:
الأولى: إن كل أعمال المنافقين قد ذهبت أدراج الرياح، في الدنيا و الآخرة، و لم يحصلوا على أي نتيجة حسنة، فقالت: حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ.
الثّانية: إنّ هؤلاء هم الخاسرون الحقيقيون بما عملوه من الأعمال السيئة:
وَ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ.
إن هؤلاء المنافقين يمكن أن يستفيدوا و يحققوا بعض المكاسب و الامتيازات من أعمال النفاق، لكن ما يحصلون عليه مؤقت و محدود، فإنّنا إذا أمعنا النظر فسنرى أن هؤلاء لم يجنوا من سلوك هذا الطريق شيئا، لا في الدنيا و لا في الآخرة، كما يعكس التاريخ هذه الحقيقة، و يبيّن كيف أنّ المنافقين على مرّ الدهور و الأيّام قد توالت عليهم النكبات و أزرت بهم و حكمت عليهم بالفناء و الزوال، كما أن ممّا لا شك فيها أنّ هذه العاقبة الدنيوية تبيّن المصير الذي ينتظرهم في الآخرة.
[١] إن جملة كَالَّذِي خاضُوا في الواقع بمعنى: كالذي خاضوا فيه، و بعبارة أخرى، فإنّها تشبيه لفعل منافقي اليوم بفعل المنافقين السابقين، كما شبهت الجملة السابقة استفادة هؤلاء من النعم و المواهب الإلهية في طريق الشهوات كالسابقين منهم، و على هذا فإنّ هذا التشبيه ليس تشبيه شخص بشخص لنضطر إلى أن نجعل (الذي) بمعنى (الذين) أي المفرد بمعنى الجمع، بل هو تشبيه عمل بعمل.