الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٩٦ - ١- ما هو المراد من البشارة في الآية؟
إلّا أنّه، و كما قلنا، فإنّ إطلاق هذه الكلمة، و ألف لام الجنس في البشرى قد أخفيا فيها مفهوما واسعا بحيث أنّها تشمل كل نوع من البشارة و فرحة الإنتصار و الموفقية، و يندرج فيها كل ما ذكر أعلاه، و في الواقع فإنّ كلا منها إشارة إلى زاوية من هذه البشارة الإلهية الواسعة.
و ربّما كان ما فسّرت به البشرى في بعض الرّوايات بأنّها المنامات الحسنة و الرؤيا الصالحة إشارة إلى أن كل البشارات حتى الصغيرة منها، تدخل أيضا في مفهوم البشرى، لا أنّها منحصرة بها.
الواقع. و كما قيل سابقا أيضا، فإنّ هذا هو الأثر التكويني و الطبيعي للإيمان و التقوى حيث تبتعد عن روح الإنسان أشكال الاضطراب و القلق المتولدة من الشك و التردد، و كذلك المتولدة من الذنب و التلوّث و الفجور، فكيف يمكن أن يشعر بالراحة و الاطمئنان من لا إيمان له، و من ليس له متكأ معنوي يعتمد عليه في أعماق روحه؟! إنّه يبقى في سفينة وسط بحر هائج متلاطم الأمواج تقذف به الأمواج العظيمة في كل جانب وصوب و قد فتحت دوامات البحر أفواهها لابتلاعه!! كيف يمكن أن يهدأ بال و يطمئن خاطر من تلطخت يداه بالظلم و الجور و إراقة دماء الناس و غصب أموال و حقوق الآخرين؟ إنّه- و بخلاف المؤمنين- لا يتمتع حتى بالنوم الهادىء، و غالبا ما يرى المنامات المرعبة التي يرى نفسه فيها مشتبكا مع العدو، و هذا بنفسه دليل على اضطراب روح هؤلاء.
من الطبيعي أنّ الشخص الجاني- خاصّة إذا كان مطاردا- يرى في عالم الرؤيا أشباحا مرعبة قد أحكمت الطوق لإلقاء القبض عليه، أو أنّ روح ذلك المقتول المظلوم تصرخ في أعماق ضميره و تعذبه، و لهذا فإنّه عند ما يستيقظ يقول كيزيد:
مالي و للحسين؟ أو يقول ما قاله الحجاج: مالي و لسعيد بن جبير؟!