الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٩ - عدم وجودهم أفضل
و هناك كلام بين المفسّرين في المراد ب «قيل اقعدوا» فمن هو القائل؟! أهو اللّه سبحانه، أم النّبي، أم باطنهم؟! الظاهر أنّه أمر تكويني نهض من باطنهم المظلم، و إنّه مقتضى عقيدتهم الفاسدة و أعمالهم القبيحة، و كثيرا ما يرى أن مقتضى الحال يظهرونه في هيئة الأمر أو النهي. و يستفاد من الآية محل البحث أنّ لكلّ عمل ونيّة اقتضاء يبتلى به الإنسان شاء أم أبى، و ليس لكلّ أحد قابلية السير في سبيل اللّه و تحمّل الأعباء الكبرى، بل هو توفيق من قبل اللّه يوليه من يجد فيه طهارة النيّة و الاستعداد و الإخلاص.
و في الآية التالية إشارة إلى هذه الحقيقة، و هي أن عدم مساهمة مثل هؤلاء الأفراد في ساحة الجهاد ليس مدعاة للتأثر و الأسف فحسب، بل لعله مدعاة للسرور، لأنّهم لا ينفعونكم فحسب، بل سيكونون بنفاقهم و معنوياتهم المتزلزلة و انحرافهم الأخلاقي مصدرا لمشاكل أخرى جديدة.
و الآية في الحقيقة تعطي درسا للمسلمين أن لا يكترثوا بكثرة المقاتلين أو قلّتهم و كميتهم و عددهم، بل عليهم أن يفكروا في اختيار المخلصين المؤمنين و إن كانوا قلّة، فهذا درس لمسلمي الماضي و الحاضر و المستقبل.
و تقول الآية: لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ أي إلى تبوك للقتال ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا.
«الخبال» بمعنى الاضطراب و التردد.
و الخبل على زنة «الأجل» معناه الجنون.
و الخبل على زنة «الطبل» معناه فساد الأعضاء.
فبناء على ذلك فإنّ حضورهم بتلك الروحيّة الفاسدة المقرونة بالتردد و النفاق لا أثر له سوى إيجاد الشك و التردد و تثبيط العزائم بين جنود الإسلام.
و تضيف الآية قائلة: وَ لَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ [١]
[١]- أوضعوا من مادة الإيضاع و معناه، الإسراع في الحركة، و معناه هنا الإسراع في النفوذ بين صفوف المقاتلين، و الفتنة هنا بمعنى التفرقة و اختلاف الكلمة.