الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١١٧ - تكرر التأريخ و الإعتبار به
إن الآية الكريمة تنبه المنافقين المعاصرين للنّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم فتقول لهم: إنّكم ترون أنّ هؤلاء السابقين رغم تلك الإمكانات و القدرات و الأموال و الأولاد لم يصلوا إلى نتيجة، و أنّ أعمالهم قد أصبحت هباء منثورا لأنّها لم تستند إلى أساس محكم، بل كانت أعمال نفاق و مراوغة، فإنّكم ستواجهون ذلك المصير بطريق أولى، لأنّكم أقل من هؤلاء قدرة و قوة و امكانات.
و بعد هذه الآيات يتحول الحديث من المنافقين و يتوجه إلى النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم و يتبع أسلول الاستفهام الإنكاري، فتقول الآية: أَ لَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَ عادٍ وَ ثَمُودَ وَ قَوْمِ إِبْراهِيمَ وَ أَصْحابِ مَدْيَنَ وَ الْمُؤْتَفِكاتِ [١] فإنّ هذه الأقوام كانت في الأزمان السالفة تسيطر على مناطق مهمّة من العالم، إلّا أن كل فئة قد ابتليت بنوع من العقاب الإلهي نتيجة لانحرافها و طغيانها و إجرامها، و فرارها من الحق و العدالة، و إقدامها على الظلم و الاستبداد و الفساد.
فقوم نوح عوقبوا بالطوفان و الغرق، و قوم عاد (قوم هود) بالرياح العاصفة و الرعب، و قوم ثمود (قوم صالح) بالزلازل و الهدم و الدمار، و قوم إبراهيم بسلب النعم، و أصحاب مدين (قوم شعيب) بالصواعق المحرقة، و قوم لوط بخسف المدن و فنائهم جميعا. و لم يبق من هؤلاء إلّا الجثث الهامدة، و العظام النخرة تحت التراب أو في أعماق البحار.
إنّ هذه الحوادث المرعبة تهز وجدان و أحاسيس كل إنسان إذا امتلك أدنى إحساس و شعور عند مطالعتها و تحقيقها.
و رغم طغيان هؤلاء و تمردهم فانّ اللّه الرؤوف الرحيم لم يحرم هؤلاء من رحمته و عطفه لحظة، و قد أرسل إليهم الرسل بالآيات البينات لهدايتهم و إنقاذهم من الضلالة إذ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ إلّا أن هؤلاء لم يصغوا إلى آية موعظة و لم
[١] المؤتفكات مأخوذة من مادة الائتفاك، بمعنى انقلاب الأسفل إلى الأعلى و بالعكس، و هي إشارة إلى مدن قوم لوط التي قلب عاليها سافلها نتيجة الزلزلة.