الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢١٥ - سبب النّزول
و قد ذكر هذا الموضوع كل المفسّرين الإسلاميين، و كثير من كتب التاريخ و الحديث، مع وجود اختلافات في جزئياته.
و خلاصة القضية- كما تستفاد من التفاسير و الأحاديث المختلفة- أنّ جماعة من المنافقين أتوا إلى النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم و طلبوا منه أن يسمح لهم ببناء مسجد في حي بني سليم- قرب مسجد قبا- حتى يصلي فيه العاجزون و المرضى و الشيوخ، و كذلك ليصلي فيه جماعة من الناس الذين لا يستطيعون أن يحضروا مسجد قبا في الأيّام الممطرة، و يؤدوا فرائضهم الإسلامية، و كان ذلك في الوقت الذي كان فيه النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم عازما على التوجه إلى تبوك.
فأذن لهم النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم، إلّا أنّهم لم يكتفوا بذلك، بل طلبوا منه أن يصلي فيه، فأخبرهم بأنّه عازم على السفر الآن، و عند عودته بإذن اللّه فسوف يأتي مسجدهم و يصلي فيه.
فلمّا رجع النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم من تبوك حضروا عنده و طلبوا منه الحضور في مسجدهم و الصلاة فيه، و أن يدعوا اللّه لهم بالبركة، و كان النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم لم يدخل بعد أبواب المدينة، فنزل الوحي و تلا عليه هذه الآيات، و كشف الستار عن الأعمال هؤلاء، فأمر النّبي بحرق المسجد المذكور، و بهدم بقاياه، و أن يجعل مكانه محلا لرمي القاذورات و الأوساخ.
إذا نظرنا إلى الوجه الظاهري لهذا العمل، فسوف نتحير في البداية، فهل أن بناء مسجد لحماية المرضى و الطاعنين في السنن من الظروف الطارئة، و الذي هو في حقيقته عمل ديني و خدمة إنسانية، يعدّ عملا مضرا و سيئا حتى يصدر في حقّه هذا الحكم؟ إلّا أنّنا إذا دققنا النظر في الواقع الباطني و حققناه رأينا أنّ هذا الأمر بهدمه في منتهى الدقة.
و توضيح ذلك، أنّ رجلا في زمن الجاهلية يقال له: أبو عامر، كان قد اعتنق النصرانية، و سلك مسلك الرهبانية، و كان يعد من الزهاد و العباد و له نفوذ واسع في