الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤١٢ - جانب من جهاد موسى و هارون
«الملأ» كما أشرنا إلى ذلك سابقا تطلق على الأشرف الأثرياء اللامعين الذين يملأ ظاهرهم العيون و يلاحظ حضورهم في كل مكان من المجتمع. و تأتي عادة في مثل هذه الآيات محل البحث بمعنى المناصرين و المشاورين و الملتفين حول شخص ما.
و نرى الكلام في هذه الآيات يدور حول بعثة موسى إلى فرعون و ملئه فقط، في حين أنّ موسى مبعوث لكل الفراعنة و بني إسرائيل، و علّة ذلك أنّ مقدرات المجتمع في يد الهيئة الحاكمة، و بناء على هذا فإنّ أي برنامج إصلاحي و ثوري يجب أن يستهدف هؤلاء أوّلا، كما تقول ذلك الآية (١٢) من سورة التوبة:
فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ.
إلّا أنّ فرعون و أتباعه امتنعوا عن قبول دعوة موسى، و عن التسليم في مقابل الحق: فَاسْتَكْبَرُوا و نظرا للتكبر و الاستعلاء و عدم امتلاكهم لروح التواضع فإنّهم لم يلتفتوا إلى الحقائق الواضحة في دعوة موسى، و أصرّوا و استمروا في إجرامهم:
وَ كانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ.
و تتحدث الآية التّالية عن مراحل مواجهة الفراعنة لموسى و أخيه هارون، و أوّل تلك المراحل هي مرحلة الإنكار و التكذيب و الافتراء و اتهامهما بسوء النية، و ابطال سنن الأجداد، و الإخلال بالنظام الاجتماعي، كما يقول القرآن: فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ.
إنّ جاذبية دعوة موسى الخارقة من جهة، و معجزاته الباهرة من جهة أخرى، و تزايد نفوذه بصورة محيرة من جهة ثالثة، دفعت الفراعنة إلى التفكير في حل لهذه المسألة، فلم يجدوا وسيلة أفضل من رميه بالسحر، فأعلنوا أنّه ساحر و أنّ عمله سحر ليس إلّا، و هذه التهمة سائدة في جميع مراحل الأنبياء و على طول تاريخهم، خاصّة نبي الإسلام صلى اللّه عليه و آله و سلّم.
إلّا أنّ موسى عليه السّلام نهض للدفاع عن نفسه، فأزاح الستار و أوضح كذب هؤلاء