الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٣٠ - الفصل الأخير من المجابهة مع الظّالمين
و قد جاء هذا المضمون في الآية (٥٧)- (٥٩) من سورة الشعراء، و نقرأ في آخرها: وَ أَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ.
من هذه الآيات نخرج بأنّ بني إسرائيل قد بقوا فترة في مصر قبل الهجرة إلى الشام، و تنعّموا ببركات تلك الأرض المعطاء.
ثمّ يضيف القرآن الكريم: وَ رَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ و لا مانع بالطبع من أن تكون أرض مصر هي المقصودة، و كذلك أراضي الشام و فلسطين. إلّا أنّ هؤلاء لم يعرفوا قدر هذه النعمة فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ و بعد مشاهدة كل تلك المعجزات التي جاء بها موسى، و أدلة صدق دعوته، إلّا إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ و إذا لم يتذوقوا طعم عقاب الاختلاف اليوم، فسيذوقونه غدا.
و قد احتمل- أيضا- في تفسير هذه الآية، أن يكن المراد من الاختلاف هو الاختلاف بين بني إسرائيل و اليهود المعاصرين للنّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم في قبول دعوته، أي إنّ هؤلاء رغم معرفتهم صدق دعوته حسب بشارات و علامات كتبهم السماوية، فإنّهم اختلفوا، فآمن بعضهم، و امتنع القسم الأكبر عن قبول دعوته، و إنّ اللّه سبحانه سيقضي بين هؤلاء يوم القيامة.
إلّا أنّ الاحتمال الأوّل أنسب لظاهر الآية.
كان هذا الحديث عن قسم من ماضي بني إسرائيل المليء بالعبر، و الذي بيّن ضمن آيات في هذه السورة، و ما أشبه حال أولئك بمسلمي اليوم، فإنّ اللّه قد نصر المسلمين بفضله مرّات كثيرة. و قهر أعداءهم الأقوياء بصورة إعجازية، و نصر بفضله و رحمته هذه الأمة المستضعفة على أولئك المتجبرين، إلّا أنّهم و للأسف الشديد، بدل أن يجعلوا هذا النصر وسيلة لنشر دين الإسلام في جميع أرجاء العالم، فإنّهم قد اتّخذوه ذريعة للتفرقة و إيجاد النفاق و الاختلاف بحيث عرّضوا كل انتصاراتهم للخطر! اللّهم نجّنا من كفران النعمة هذا.