الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٢٨ - الفصل الأخير من المجابهة مع الظّالمين
فقال: آلْآنَ وَ قَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَ كُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ.
و قد قرأنا سابقا في الآية (١٨) من سورة النساء: وَ لَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ و لهذا فإنّ كثير من الناس ما أن تستقر بهم الحال و ينجون من الموت يعودون إلى أوضاعهم و أعمالهم السابقة. و نظير هذا التعبير الذي ورد أعلاه جاء أيضا في اشعار و كلمات الأدباء العرب و العجم، مثل:
|
أتت و حياض الموت بيني و بينها |
و جادت بوصل حين لا ينفع الوصل |
لكن فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً آية للحكام المستكبرين و لكل الظالمين و المفسدين، و آية للفئات المستضعفة.
هناك بحث بين المفسّرين المراد من البدن هنا، فأكثرهم يرى بأنّ المراد هو جسد فرعون الذي فارقته الروح، لأنّ عظمة فرعون في أفكار الناس في ذلك المحيط بلغت حدّا بحيث أنّ الكثير لو لا ذلك لم يكن يصدق أن فرعون يمكن أن يغرق، و كان من الممكن أن تنسج الأساطير و الخرافات الكاذبة حول نجاة و حياة فرعون بعد هذه الحادثة، لذلك ألقى اللّه سبحانه جسده خارج الماء.
اللطيف هنا، أنّ البدن في اللغة- كما قال الراغب في مفرداته- يعني الجسد العظيم- و هذا يدلنا على أن فرعون كان عظيم الهيكل ممتلئ الجسم كما هو الحال في الكثير من أهل الترف و الرفاه الدنيوي! إلّا أنّ البعض الآخر قالوا: إنّ أحد معاني البدن هو الدرع، و هذا إشارة إلى أن اللّه سبحانه قد أخرج فرعون من الماء بدرعه الذهبي الذي كان على بدنه ليعرف عن طريقه، و لا يبقى أي مجال للشك في أنّه فرعون.
هذه النقطة أيضا تستحق الانتباه، و هي أنهم استفادوا من جملة «ننجيك» أنّ اللّه سبحانه قد أمر الأمواج أن تلقي بدنه على مكان مرتفع عن الساحل لأنّ مادة «النجوة» تعني المكان المرتفع و الأرض العالية.