الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٧٢ - العذاب الإلهي و اختيارات الرّسول
ثمّ يتطرق القرآن إلى جواب آخر و يقول: لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَ لا يَسْتَقْدِمُونَ و بتعبير آخر فإنّ أي أمّة إذا انحرفت عن مسير الحق، فسوف لا تكون مصونة من العذاب الإلهي الذي هو نتيجة أعمالها، فعند ما ينحرف الناس عن قوانين الخلقة و الطبيعة فسيبددون طاقاتهم و ملكاتهم في فراغ و يسقطوا في النهاية في هاوية الانحطاط و يحتفظ تاريخ العالم في ذاكرته بنماذج كثيرة من ذلك.
في الواقع إنّ القرآن الكريم يحذر المشركين الذين كانوا يتعجلون العذاب الإلهي بأن لا يعجلوا، فعند ما يحل موعدهم فإنّ هذا العذاب سوف لن يتأخر أو يتقدم لحظة.
و يجب الالتفات إلى أنّ الساعة قد تعني أحيانا لحظة، و أحيانا المقدار القليل من الزمن، بالرغم من أنّ معناها المعروف اليوم هو الأربع و العشرون ساعة التي تشكل الليل و النهار.
و تطرح الآية الأخرى الجواب الثّالث، فتقول: قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتاً أَوْ نَهاراً فهل تستطيعون أن تدفعوا عن أنفسكم هذا العذاب المفاجئ غير المرتقب؟ و إذا كان الحال كذلك ف ما ذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ؟
و بتعبير آخر، فإنّ هؤلاء المجرمين الجريئين إن لم يتيقنوا نزول العذاب فليحتملوا على الأقل أن يأتيهم فجأة، فما الذي يضمن لهؤلاء أنّ تهديدات النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم سوف لن تقع أبدا؟ إنّ الإنسان العاقل يجب أن يراعي الاحتياط على الأقل في مقابل مثل هذا الضرر المحتمل و يكون منه على حذر.
و ورد نظير هذا المعنى في آيات أخرى من القرآن، و بتعبيرات أخرى، مثل:
أَ فَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا سورة الإسراء، الآية (٦٨). و هذا هو الذي يعبر عنه في علم الكلام و الأصول