الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٩٠ - ٤- هل كان الصحابة كلهم صالحين؟
الناجين، أمّا الصحابة فلم يشترط عليهم هذا الشرط) [١].
إلّا أنّ هذا الادعاء لا يمكن قبوله، و هو مردود بأدلة كثيرة:
أوّلا: إن الحكم المذكور في الآية يشمل التابعين أيضا، و المقصود من التابعين- كما أشرنا سابقا- كل الذين يتبعون المهاجرين و الأنصار السابقين في معتقداتهم و أهدافهم و برامجهم، و على هذا فإنّ كل الأمّة بدون استثناء ناجية.
و أمّا ما ورد في حديث محمّد بن كعب، من أنّ اللّه سبحانه و تعالى قد ذكر قيد الإحسان في التابعين، أي أتباع الصحابة في أعمالهم الحسنة، لا في ذنوبهم، فهو أعجب البحوث و أغربها، لأنّ مفهوم ذلك إضافة الفرع إلى الأصل، فعند ما يكون شرط نجاة التابعين أن يتبعوا الصحابة في أعمالهم الحسنة، فاشتراط هذا الشرط على الصحابة أنفسهم يكون بطريق أولى.
و بتعبير آخر فإنّ اللّه تعالى يبيّن في الآية أن رضاه يشمل كل المهاجرين و الأنصار السابقين الذين كانت لهم برامج و أهداف صالحة، و كل التابعين لهم، لا أنّه قد رضي عن المهاجرين و الأنصار، الصالح منهم و الطالح، أمّا التابعون فإنّه يرضى عنهم بشرط.
ثانيا: إنّ هذا الموضوع لا يناسب الدليل العقلي بأي وجه من الوجوه، لأنّ العقل لا يعطي أي امتياز لأصحاب النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم، فما الفرق بين أبي جهل و أمثاله، و بين من آمنوا أوّلا ثمّ انحرفوا عن الدين؟
و لماذا لا تشمل رحمة الباري و الرضوان الإلهي الأشخاص الذين جاؤوا بعد النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم بسنوات و قرون، و لم تكن تضحياتهم و جهادهم أقل ممّا عمله أصحاب النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم، بل قد امتازوا بأنهم لم يروا نبي الإسلام صلى اللّه عليه و آله و سلّم، لكنّهم عرفوه و آمنوا به؟
إنّ القرآن الذي يقول: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ كيف يرضى هذا التبعيض و التفرقة غير المنطقية؟
[١] تفسير المنار، و تفسير الفخر الرازي في ذيل الآية أعلاه.