الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٢٧ - الفصل الأخير من المجابهة مع الظّالمين
فتقول أوّلا: إنّنا جاوزنا ببني إسرائيل البحر- و هو نهر النيل العظيم أطلق عليه اسم البحر لعظمته- أثناء مواجهتهم للفراعنة، و عند ما كانوا تحت ضغط و مطاردة هؤلاء: وَ جاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ إلّا أنّ فرعون و جنوده طاردوا هؤلاء من أجل القضاء على بني إسرائيل: فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَ جُنُودُهُ بَغْياً وَ عَدْواً.
«البغي» يعني الظلم، «و العدو» بمعنى التعدي، أي إنّ هؤلاء إنّما طاردوهم و تعقبوهم لغرض الظلم و التعدي عليهم، أي على بني إسرائيل.
جملة «فأتبعهم» توحي بأنّ فرعون و جنوده قد تتبعوا بني إسرائيل طوعا، و تؤيد بعض الرّوايات هذا المعنى، و البعض الآخر تخالف هذا المعنى، إلّا أن ما يفهم و يستفاد من ظاهر الآية هو الحجة على كل حال.
أمّا كيفية عبور بني إسرائيل للبحر، و أي إعجاز وقع في ذلك الحين، فإنّ شرح ذلك سيأتي في ذيل الآية (٦٣) من سورة الشعراء، إن شاء اللّه تعالى.
على كل حال، فإنّ هذه الأحداث قد استمرت حتى أوشك فرعون على الغرق، و أصبح كالقشة تتقاذفه الأمواج و تلهو به، فعنذاك زالت حجب الغرور و الجهل من أمام عينه، و سطع نور التوحيد الفطري و صدع بالإيمان: حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ فلست مؤمنا بقلبي فقط، بل إنّي من المسلمين عمليا: وَ أَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
و لما تحققت تنبؤات موسى عليه السّلام الواحدة تلو الأخرى و أدرك فرعون صدق هذا النّبي الكبير أكثر فأكثر و شاهد قدرته و قوته، اضطر إلى إظهار الإيمان على أمل أن ينقذه ربّ بني إسرائيل كما أنجاهم من هذه الأمواج المتلاطمة و لذلك يقول: آمنت أنّه لا إله إلّا الذي آمنت به بنو إسرائيل! إلّا أنّ من البديهي أنّ مثل هذا الإيمان الذي يتجلّى عند نزول البلاء و نشوب أظفار الموت، إيمان اضطراري يتشبث به كل جان و مجرم و مذنب و ليست له أية قيمة، أو يكون دليلا على حسن نيته أو صدق قوله، و لهذا فإنّ اللّه سبحانه خاطبه