الرسائل الرجالية - الكلباسي، أبو المعالي - الصفحة ٤٥٤ - آفات المعاشرة و العزلة
[آفات المعاشرة و العزلة]
و كيف كان مضارّ الإنسان لا يحصيها و لا يحيط بها نطاق البيان، لكنّ الاعتزال- بعد امتناعه؛ قضيّة أنّ الإنسان محتاج إلى الغير في جهات لا تحصى، و في كلّ من الجهات يحتاج إلى المعاشرة، و كذا بعد مرجوحيّته شرعا- مغرس الوسواس، كما نصّ عليه الحكيم الشيرازي في شرح اصول الكافي.[١]
و هذا من قبيل الداء الفاقدة للدواء، بل الاعتزال يقرب العقل إلى الزوال، كما قيل، و وجهه: عدم ورود الملائم على الطبيعة، حيث إنّ المعاشرة و إن كانت في غاية الإضرار لكنّها توجب الفرح و السرور كثيرا، و قوام الروح بورود السرور، و هو غذاؤها، كما أنّ قوام الجسد بورود الغذاء الخارجيّ.
و كذا توجب المعاشرة الغفلة عن الموت، و به قوام نظام الدنيا، و الاعتزال يوجب حركة الفكر إلى جانب الموت، و هو يوجب توحّش الطبيعة، فيتأدّي الأمر إلى ضعف العقل.
و عن بعض الحكماء: إيّاكم و الخلوات، فإنّها تفسد العقول و تحلّ المعقول و تعقد المحلول، بل في بعض الأخبار أنّ التفكّر في عاقبة الأمر يوجب الهلاكة.
و ليس ما ذكر إلّا من جهة كثرة شدائد هذه الدار، دار النار؛ حيث إنّ تحمّل كلّ من الضدّين فيها كتحمّل حرارة نار الجحيم، كيف لا! و في بعض الأخبار أنّ المؤمن يموت كلّ يوم سبعين مرّة، هذه الدار يتغلغل أهلها بين أطباقها، و تلقى سكّانها بآخر ما لديها من أليم النكال و عظيم الوبال، و لا يطّلع على حالها و حراراتها غير اللّه سبحانه و أحزابه سلام اللّه عليهم أجمعين.
و تتّضح حرارة المعاشرة بالاطّلاع على حالات الإنسان، فإنّه في غاية نقصان العقل، كيف لا؟! و قد ذكر بعض: أنّ عقل عشرين أو أربعين رجلا يوازن عقل شاة.
[١] . شرح أصول الكافي للحكيم الشيرازي: ٥٨.