الرسائل الرجالية - الكلباسي، أبو المعالي - الصفحة ٤٦٢ - ترك الاستئناس بالناس و الاستشهاد بالآيات في المقام
و هو المنقول عن الفارابيّ، بل المنقول عنه أنّه سئل أنّك كيف تأنس بالفقر و الفاقة و لا تأنس بالناس؟ فأجاب: بأنّي تأمّلت و وجدت ما فعلت أولى.
و أمّا الأشعار المذكورة الدالّة على مدح الاعتزال فما كان منها من أمير المؤمنين عليه السّلام- روحي و روح العالمين له الفداء- يقيّد بما كان منها دالّا على مدح الاعتزال في صورة الإمكان.
و أمّا ما كان من غيره عليه السّلام- روحي و روح العالمين له الفداء- فهو من باب الغفلة عن مفسدة الاعتزال، نظير ما نقله في اللطائف و الظرائف، نقل من مدح بعض الحكماء بعض الامور لبعض المصالح غفلة عن مصلحة ضدّه، و نقل مدح بعض آخر من الحكماء الضدّ لمصلحة اخرى.
و أمّا ما دلّ من تلك الأشعار على عدم صدق الأصدقاء فهو حقّ لا ريب فيه، لكنّه لا يرتبط بمدح الاعتزال.
[ترك الاستئناس بالناس و الاستشهاد بالآيات في المقام]
و يرشد إلى كون علاج الإنسان في ترك الاستئناس بالناس قوله سبحانه حكاية عن داود- على نبيّنا و آله و عليه السّلام:- إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَ قَلِيلٌ ما هُمْ[١] حيث إنّ مقتضاه وصول الظلم إلى الشخص ممّن يعاشر معه، فالتهارب عن الظلم يقتضي ترك المعاشرة مع الناس، و قد قرّر سبحانه الفقرة المذكورة: فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ[٢] كيف لا! و الناس بواسطه سوء فطرهم مثل الديوك، و كلّما تلاقى ديك مع ديك يتعارضان، و يخرج كلّ منهما الآخر و لو كان ملاقاتهما في.[٣]
[١] . سورة ص( ٣٨): ٢٤.
[٢] . الذاريات( ٥١): ٢٣.
[٣] . كذا في« ح» و« د».