محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٧٣ - الخطبة الأولى
ولو حجَّ المعصوم حجّاً مبروراً مشكوراً مثلًا لكنّه لم يمش إليه حافي القدمين لا لضرورة لشعر بالتقصير، وتعمّق عنده الشعور بذلك، وعدّ ما حدث له ذنباً، وتساهلًا، وتفريطاً.
ولو أعطى الفقيرَ رغيفاً وأبقى لسدّ جوعته ما يزيد عليه بنصف رغيف لحكم على نفسه بأنه لم يبذل في سبيل الله كما ينبغي.
ولو أعطى لنفسه مشتهى طيّباً حلالًا فوق معتاده مما لا تدعو إليه ضرورة، ولا تدفع إليه حاجة صحّية ملحّة، أو طلب قوة في البدن لرأى أن في ذلك ما يُتاب إلى الله منه، وأن لحظة أمضاها في تلك اللذة العابرة- وإن كانت حلالًا طيّباً- هي من الخسار.
فالمعصومون عليهم السلام لا يأتون ذنوباً مما يأتيه النّاس من الذنوب، ولكنّهم يستعظمون الخسارة، وتكبر مصيبتهم، ويفرّون إلى الله سبحانه أن اكتفوا في وقت بدرجة من الطاعة كان يسعهم ولو بمشقة أن يأخذوا بأشدّ منها.
هذه صورة عمّا كان يشكو منه الأئمة عليهم السلام، ويقسون على أنفسهم في دعائهم إلى الله ومناجاتهم بسببه يرونه من أنفسهم تقصيرا وتفريطا.
القسم الثاني: لماذا التوبة؟
هناك عبودية قهرية لا وجود ولا حياة للإنسان بدونها وهي عبوديته التكوينية لله سبحانه، والتي لا خيار له فيها.
وتترشح من أرض هذه العبودية عبودية إرادية هي عبوديّةٌ رحمةٌ، وشرفٌ، ومعراجُ كمال للإنسان، ولا كمال له، ولا سعادة ينالها عن غير هذا الطريق، وإذا استكبر على هذه العبودية خسر معناه وكماله وسعادته.