محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٧٢ - الخطبة الأولى
٢. ينبغي أن نتذكر بأن ليس احد من العباد مهما أوغل في طاعة الله، وبالغ في أداء واجب العبودية، وحق الربوبية بقادر على أن يفي بحقّ الله سبحانه، ومن هنا ينفتح باب الحاجة إلى الاستغفار حتى من مثل الرسول وأهل بيته الكرام عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام.
٣. إن حياة الروح تختلف ضعفاً وقوة كحياة البدن بل تفاوُتها أشدّ وأعظم، وضعف حياة البدن ينعكس على نشاطه وإحساساته ولذائذه، وكذا ضعف حياة الروح بالنسبة لنشاطها ومشاعرها ولذائذها. وإذا قويت حياة البدن أو الروح زاد نشاطها وشعورها وتلذّذها بما يناسبها، وألمها لما تفقده من لذّات.
لذلك تجد من ناحية قضايا الروح من يمارس أقبح القبائح وأفظع الجرائم من دون أن يشعر بأدنى إثم، أو يؤلمه ضمير، أو يستوحش مما هو فيه. وتجد آخر يُحسن الصنع، ويُخلص الطاعة هذا حتى على المستوى العرفي، وعلى مستوى العلاقات بين الناس فيما بينهم. ويكثر الاجتهاد، في الخير وهو يشعر بالتقصير، والحاجة الدائمة إلى الاستغفار من قلّة العمل، ويخاف من شوب النية.
والروح النورانية الشفَّافة عشَّاقة للمزيد، تعيش التطلع الدائم إلى الكمال الذي لا يجد أحد إليه سبيلًا إلا بعبادة الله، وطلب التقرب إليه، وإنه ليشق على النفوس الزكية العالية أن تذهب لحظة من حياة أهلها في حلال الدنيا دون أن تتشبع بروح عبادية مخلَصة لله العظيم حيث يرون أن حياتهم في الدنيا لا لها وإنما للآخرة ولاستتمام كمال الروح والوصول به إلى أقصى ما يمكن أن يصل إليه، ولا كمال إلّا على طريق الله وفي عبادته والتقرب إليه.