محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٣٤ - الخطبة الأولى
لا تساوي شيئاً. ماذا يساوي عمر محدود من الأبد؟! فحين لا يهديني عقلي أن أهتمّ بالآخرة، وأعمى عنها بأموال الدنيا وبريقها وزخرفها فهل أُعدّ عاقلًا؟!
" وعرف سرعة رحيله فتزوّد لها" أنا لا أدري متى أغادر هذه الحياة، أأُكمل هذه الخطبة أو لا أُكمل؟ لا أدري. أأسترجع نفسا آخر أو لا أسترجع؟ لا أدري. فإذا لم يكن لي العقل الذي أرى به الآخرة، وإمكان سرعة اللحاق بها فأنا لست بعاقل.
" أعقل النّاس محسن خائف، وأجهلهم مسيء آمن" ٩.
إنسان محسن في كل أقواله وأعماله، متبع لله، فكيف يخاف؟ يخاف بأنه ليست له النفس التي يأمنها، وليست له القدرة التي يفي بها حقّ الله، فمن هنا وهناك كان له أن يخاف وهو محسن.
مقابله مسيء مخالف لله، مجترئ عليه، ومع ذلك لا يدخل قلبه أي خوف، فهو فاقد للعقل، وعلى أقل تقدير هو غافل، وفي سبات، وتحت التخدير، ويستولي عليه جهل عميق. مسيء مفرِّط في جنب الله ويمكن أن يكون رحيله اللحظة؛ ومع ذلك يأمن عقوبة الله، وأخذ الله، وبطش الله؟! أترى عاقلًا لا يفرّ من النار؟! أترى عاقلا لا يفر من الأسد العاجز عن مواجهته؟! أترى عاقلا يهوي على رأسه السيف ولا يعدل غروراً برأسه عنه؟! عقوبة الله ونار سجّرها لغضبه تتهدد هذا الإنسان، ومع ذلك يبقى أأمن؟! المجانين هم الذين لا يأبهون بالأخطار، والجهّال هم الذين لا يقدرون حقيقة المواقف.
" أعقل الناس أشدهم مداراة للناس" ١٠.
والإمام علي عليه السلام يقول في المرويّ عنه:" أعقل الناس أبعدهم عن كلّ دنيّة" ١١.