محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٠٩ - الخطبة الأولى
خسارة النفس هنا هي خسارة عقل وحكمة، وروح عارفة، وجمال معنوي، وسعادة راقية. يقول الله تبارك وتعالى في محكم كتابه الكريم وَ الْعَصْرِ، إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَ تَواصَوْا بِالْحَقِّ وَ تَواصَوْا بِالصَّبْرِ.
فمن الإنسان الذي يكون قد خسر نفسه؟ أهو ذلك الإنسان الذي آمن بربّه، وتواصى بالحق، وتواصى بالصبر، الإنسان الذي لا زال يحتفظ بإنسانيته، بصلته بربه، بروحه المشرقة المنفتحة على الله، المتعلّقة به، ولو مُزِّق بدنه مزقا مزقا، وتحول أشلاء متناثرة؟!
فليكن إنسان مُزّق جسدُه كما مُزّق جسدُ الإمام الحسين عليه السلام، إلا أنه لم يخسر بنفسه لقوله تعالى ... إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَ تَواصَوْا بِالْحَقِّ وَ تَواصَوْا بِالصَّبْرِ.
والذين بنوا أجسادا عملاقة، وتمتعوا بصحة كبيرة، وعاشوا الدنيا كأرغد درجة من العيش المادي داخلون في الخاسرين ممن لم يعبدوا الله، ولم يعملوا الصالحات ولم يتواصوا بالحق والصبر؛ ذلك لأنهم قد انطفأت فيهم شعلة الروح الإنسانية الكريمة وخبا جمالها، وجفّت منابع الخير التي كانوا يغنون بها.
أ- هناك منتحرون على المستوى الأول، على مستوى البدن .... وهناك منتحرون على المستوى الثاني. والعاقل لا ينتحر لا على المستوى الأول ولا على المستوى الثاني.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَ أَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَ الْحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ٣.
الروح الإنسانية العالية تقبل الانتحار، إذ يمكن أن تكون موضعا للانتحار الفوري، ويمكن أن تكون موضعا ومتعلقا للانتحار التدريجي، وانتحار الروح هو أن تنطفئ شعلتها المضيئة في داخل الإنسان، أن تخسر فطرتها، أن تخسر هداها، أن تخسر معرفتها بالله تبارك وتعالى، أن تخسر تعشّقها إليه.