محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٩٣ - الخطبة الأولى
مناها. فلا معرفة تنفعه أكثر من معرفته بربّه وبها، ولا جهل يضره أكثر من جهله ببارئه وبحقيقة نفسه وأحوالها.
فكان علينا أن نعرف أنفسنا وأبعادها، وما هو المهم والأهم منها. ومن لم يعرف نفسه لم يكن أحد أجهل منه وأغبى، وما كان لأحد أن يتعامل مع نفسه التعامل المطلوب الصحيح وهو يجهلها، والتعامل الخاطئ مع النفس لا يكون فيه إلا ضررها وهلاكها وشقاؤها.
وإنّه من أجل أن أخرج من غبائي، وأن أحذر المزيد من الغباء، وأن لا أخطئ كثيراً، وأبعد عن الغاية الكبيرة التي هيّأني الله إليها، وأشطّ عن الهدف الرفيع الذي أعدّني إليه، ومن أجل أن لا أقدم جاهلًا على خسارة النفس والحياة، وألا أقع في طريق الاستغفال من الآخرين وأضلّ لابد أن أسعى لمعرفة نفسي.
وأول ما ينبغي أن نعرفه من النفس هو أننا بدن وحياة بدن علينا أن نعمل على تقدّمها وكفى، وذلك أقصى ما عليه حقيقة وجودنا ودورنا، أم أننا مع هذا روح وحياة روح، وإنسانية متميّزة تفارق الحيوان- وهو الأقرب لنا ونحن الأقرب له مما على ظهر الأرض من أحياءٍ تعيش حالة النمو والحركة الموضعية والانتقالية فيها مما نحسُّ من مخلوقات- تفارق الحيوان بوعيها الكبير لعبوديتها لله العظيم، وربوبيته لها، وحاجتها إليه، وتأهّلها للاستكمال على طريقه، وقدرتها من فضله على تجاوز حدود مقيِّدة مُقعِدة كثيرة، وعبور أكثر من مستوى من مستويات الحياة المعنوية، ودرجة من درجات الكمال بالتعلق به، والتشبّث بعطاءات وحيه ودينه، والسير إليه على هدى أسمائه الحسنى الملهمة، وأخلاق الدين الذي دعا إليه، وأرسل الأمناء من خلقه للناس به. هذا إلى جنب ما عليه النفس الإنسانية دون الحيوان من قوّة الإدراك، وقدرة التحليل، والتركيب، والتوصل إلى مدركات وقضايا ونتائج جديدة.