محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٠٥ - الخطبة الأولى
العفّة، ويردعُه عن التمادي في الرذيلة كشف بذلك عن معدن خبيث، وموطن سوء، وتفس هابطة لا تتربى ولا تتّعظ، وليس لها من عثرتها قيام وذلك مما يؤيس من خيرها.
ومن لا يخشى الله في سرِّه وحيث تغيب رقابة الناس لا يؤمن كيده، ولا يركن لوعده، ولا يستنام لأمانه وقسمه وعهده.
٦. عن الإمام الكاظم عليه السلام:" استحيوا من الله في سرائركم كما تستحيون من النّاس في علانيتكم" ٦.
النّاس عامّة وخاصّة من حيث الإيمان ومعرفة الله سبحانه، وهذا خطاب للعامة منهم فيما يظهر، فلا أقل للإنسان المسلم من الشعور في خلواته برقابة لله مثيرة للحياء في النفس منه سبحانه ولو على حدّ ما تثيره رقابة النّاس في العلن من ذلك مما يردع عن ارتكاب القبيح عند النفوس غير الساقطة بصورة نهائية.
أما أهل الإيمان الحقّ والمعرفة الجليلة فلا يعدل حياءهم من الله العظيم حياء، ولا تقاس هيبتهم أمامهم بهيبة، ولا توقيرهم لجلاله وجماله بتوقير.
فهل ترى أن الإمام الكاظم عليه السلام يكون حياؤه من الله في سرّه على حدّ حيائه من الناس في علانيته فحسب؟! إن له حياء من الله في علانيته وسرّه بما لا يعدله حياء من أحد أبداً.
٧. عن الإمام العسكري عليه السلام:" من لم يتق وجوه الناس لم يتق الله" ٧.
أناسٌ لا يُخرجهم ارتكاب القبيح أمام الله عزّ وجل اغتراراً بإمهاله وستره، أو غفلة عن عظمته وأخذه، ونسياناً لنعمه وواجب شكره، وتجدهم يتحاشون الجهر بالمعصية في النّاس شعوراً بحضورهم وحياءً من هذا الحضور ومقام الناظرين في صدورهم، وكان الأولى بهم أن يستحوا من الله الذي لا تبلغ عظمته عظمة، ولا عزَّته عزّة، ولا جلاله جلال، ولا جماله جمال، ولا يعزب عن علمه شيء.