محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٨٦ - الخطبة الأولى
" أكرم نفسك عن دنيّة وإن ساقتك إلى الرّغائب، فإنك لن تعتاض بما تبذل من دينك وعرضك بثمن وإن جلّ" ٥.
نيل أي مأرب، أي شهوة، تحقيق أي رغبة، والثمن هو الذّل، والثّمن هو من دين وشرف لا يصح في فهم الإنسان المؤمن، وفي سيرة الإنسان المؤمن الذي يريد أن يتقيّد بدينه.
كل الدّنيا لا تقوم عوضاً عن ثلمة في دين، فحين يُطلب منك الدين ثمنا لا تعطِ منه شيئا من أجل الدنيا بكاملها. إذا قيل لك: تنازل عن شرفك، تنازل عن عرضك، استرخص عرضك من أجل دنيا العمر كله فلا تقف لحظة واحدة لمحاسبة الموقف، وإنما يجب أن يكون عندك الجزم الحاسم برفض الدنيا في قبال بذل العرض والشرف والكرامة.
وكثيرون هم الذين يبيعون من دينهم الكثير، ومن شرفهم في الناس الكثير ركضاً وراء رغبة في جنس، وراء تحقيق هوى في فتاة حلالًا أو حراماً، وراء تحقيق هوى في منصب. يخرج من العقل إلى الجنون، ومن حالة التماسك إلى الانهيار، ومن الضبط إلى الايتسار، ومن العزّة إلى الذلّ من أجل هوى ضاغط في داخله، هذا يركض وراء منصب، ذاك يركض وراء شهوة حرام تستتبع له نقص المناعة، وثالث يطلب شهرة في الناس ومن أجل هذه الشهرة عليه أولًا أن يمرّغ أنفه في التراب، وأن تدوسه الأقدام فيقبل، كل ذلك مرفوض في فهم الإنسان المؤمن ومسلكه.
" إنّ الله تبارك وتعالى فوّض إلى المؤمن كلّ شيء إلَّا إذلاله نفسه" ٦.
ليس في هذا التفويض ارتكاب حرام، مفوّض لك أن تطلب رزقك عن كل طريق حلال، أن تطلب مجدك المنشود عن طريق أجازه الله سبحانه وتعالى، أن تكون لك أماني، أن تكون لك طموحات، أن تسعى وراء أمانيك، وراء طموحاتك طبقاً للحدّ الشرعي، أمّا أن تطلب العزّة بالذلّ، وأن تطلب الدّنيا بالهوان، وأن تركض وراء طموحاتك وأمانيك عن طريق بيع النّفس والدّين والكرامة فذلك مما ليس لك في دين الله.